الصفحة 60 من 83

الباب الثالث:

دولة الإسلام أو هلاك الأنام

إنَّ عنوان هذا الباب ليس جملة خبرية وفقط، بل وتحريضية أيضًا؛ تحريضية لا يسع المسلم غير العمل بها والدعوة إليها.

إنَّ الله عز وجل بعث رسوله صلى الله عليه وسلم بالقرآن ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة:257] .

وليُنقذ البشرية جمعاء من التردي والهلاك في نار جهنم {وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران:103] .

وإن كانت دعوة الإسلام قد بدأت بلا دولة إلا أنها من بواكيرها الأولى كانت تسعى لبناء دولة، وعندما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم البحث العملي عن الدولة، لم يكن قد مر على بعثته ما يزيد على عقد من الزمان ولم يكن عدد المسلمين يتعدى المائة إلا قليلًا، وعندما أسس صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام بدأ القرآن ينزل يُنظم شؤون الدولة كلها بأوامر ونواه ملزمة باقية مستمرة ما بقي القرآن في الأنام، بل إنَّ أغلب أحكام القرآن التي تُنظم الحياة الدنيا في مختلف نواحيها وتعد الناس فيها للآخرة نزلت بعد إقامة الدولة ممَّا يعني أنَّ حكمة الله وأمره قضيا بألا يُفعل الإسلام كاملًا إلا في دولة، وهكذا جرت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأي متأمل فيها، يراها تُنظم الإسلام كدين في دولته.

إنَّ وجود الإسلام بلا دولة أمر مُؤْذن بطمس معالم الإسلام وإطفاء جذوته في الصدور {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ} [التوبة:32] ، ثم إن ذلك مؤذن بهلاك البشرية جميعًا والتي أتى الإسلام لإنقاذها.

إنَّ المتأمل في أهداف دولة الإسلام ووسائلها التي أشرنا إليها ليعلم أنَّ الإسلام ثورة في الحياة البشرية، وقلبٌ بل عدلٌ لموازينها المنتكسة، وإنه من البديهي لأي عاقل أن يعلم أنَّ هذا لا يتم إلا في دولة، هكذا قضت حكمة القرآن ونصت أوامره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت