الصفحة 46 من 83

الفصل الثاني:

أنواع وسائل دولة الإسلام

الأسباب التي تؤدي إلى المسبَّبات أو النتائج، أو بعبارة أخرى الوسائل التي تؤدي إلى الغايات أو الأهداف يمكن تقسيمها عند {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة:3] إلى أقسام ثلاثة:

القسم الأول: الأسباب التجريبية أو العادية التي يمكن الربط بينها وبين المسببات والنتائج الصادرة عنها عن طريق التجربة العلمية المحسوسة مثل: إنَّ الزجاج ينكسر إذا رُمي بقوة على أرض صلبة، أو إنَّ المعادن تتمدد إذا تعرضت للحرارة وتنكمش إذا تعرضت للبرودة، أو إنَّ الماء يتكون إذا اتحدت ذرتا هيدروجين مع ذرة أكسجين وهكذا.

والقسم الثاني: يستحيل الربط بينها وبين نتائجها بالتجربة العلمية المحسوسة مثل: إنَّ المؤمن الصالح سيدخل الجنة والكافر الفاجر سيدخل النار، أو إنَّ المؤمن يُنعَّم الآن في قبره والكافر يعذَّب فيه، بل ونقرب الأمثلة أكثر فنقول مثل: إنَّ المريض شُفي نتيجة أن تم رقيته بالفاتحة، أو إنَّ الجمل مرض فذبح وطبخ في القدر نتيجة أن العائن عانه -أي أصابه بالعين [1] - وغير ذلك من الأمثلة، واستحالة قياس هذه الأمثلة بالتجربة العلمية المحسوسة يرجع إلى أن جانبًا كبيرًا منها غيبي يستحيل إخضاعه للقياس المادي، وكذلك لتداخل عوامل كثيرة فيها يستحيل حتى إخضاعها للعادة، فمثلًا: الدعاء قد يكون مستجابًا بأن يصرف عنك الله من السوء مثله دون تحقق نفس الغرض المطلوب في الدعاء، أو بأن تُرزق مثله وليس نفسه، أو بأن يدخره الله لك في الآخرة، فلا سبيل بحال لقياس ترتب النتيجة على السبب، ثم إنَّ موانع النتيجة كذلك يستحيل قياسها، فقد تُمنع إجابة الدعاء لمعصية سابقة، أو لطعام محرم تناولته، أو لأنك تدعو رياءً، أو أعجبت بكثرة وقوة دعائك، أو غير ذلك، وكل هذا لا يمكن ضبطه أو قياسه أيضًا، ممَّا يقف على طرف النقيض تمامًا مع المنهج التجريبي الذي تشبعت به الحضارة

(1) روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الْعَيْنُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ، وَتُدْخِلُ الْجَمَلَ الْقِدْرَ» رواه ابن عدي في الكامل (8/ 148) ، وأبو نعيم في الحلية (7/ 90) ، وصححه السيوطي في فيص القدير للمناوي (5748) ، والألباني في صحيح الجامع (4144) ، والسلسلة الصحيحة (1249) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت