الصفحة 47 من 83

الغربية الحديثة ولم تقبل غيره منذ فصلت الدين عن الدولة ونشأت الدولة المدنية الحديثة.

أما القسم الثالث من الأسباب فهو قسم مختلط بين الأول والثاني بمعنى أن النتائج المترتبة عليها اشترك في تسببها أسباب تجريبية وأسباب غيبية، وذلك مثل مريض تناول دواءً ورقى نفسه، أو رجل دعا الله أن يرزقه مالًا وسعى في العمل فرزقه، وغير ذلك من الأمثلة.

والواقع أن هذا التقسيم الثلاثي ليس تقسيمًا دقيقًا ولكنَّ الصحيح أن يُعتَبر الأمر كخطٍ مستقيم لا نهائي النقاط، يقع على أقصى طرفه الأيسر الأسباب التي تخضع بالكامل للتجربة العلمية المحسوسة، وعلى الطرف الآخر الأسباب التي يستحيل إخضاع العلاقة بينها وبين نتائجها للتجربة العلمية المحسوسة، وبينهما عدد لا نهائي من النقاط التي يختلط فيها النوعان فيزيد هذا تارة وذاك أخرى ويستويان أحيانًا.

قام العلم الغربي التجريبي على تفسير كل هذا الخط المستقيم لصالح الطرف الأيسر، وساعدهم على ذلك أن جرت سنة الله عز وجل في خلقه أن معظم النتائج مرتبطة بأسباب -تزيد أو تقل- خاضعة للتجربة المادية المحسوسة كما ذكرنا في صورة الخط المستقيم، فقام العلم التجريبي في إطاره الغربي على تفسير كل النتائج كمترتبات على هذه الأسباب والإهمال التام لأي أسباب أخرى غيبية [1] مهما بدا تعسفه في هذا التفسير، ومرجع هذا الأمر ثمرةٌ مرة لصراع طويل بين العلم التجريبي والكنيسة فُشِلَ في الوصول لتوافق بينهما، وكان من ثمرات هذا الصراع أيضًا فصل الدين عن الدولة ونشوء ما يسمى بالدولة المدنية أو العلمانية الحديثة.

إنَّ التحريف الذي طال التوراة والإنجيل وتقديس التفسير الكنسي لهما أدى إلى تصادم وحرب شعواء بين دين الغرب وعلمه [2] امتدت سنوات وعقودًا وحُسمت لصالح العلم التجريبي الذي ساد الحياة في الغرب وانزوى الدين في الكنيسة.

ثم ما لبثت الدولة العلمانية أن انتشرت في بلاد الشرق الإسلامي نتيجة للانحطاط والهزيمة والتقليد

(1) منقول بتصرف يسير من كتاب"نظرية النصر في الإسلام"للمؤلف (7 - 9) .

(2) انظر لمزيد من التفصيل عن أسباب ترك الغرب للدين وثورتهم عليه"مذاهب فكرية معاصرة"لمحمد قطب: الدين والكنيسة (90 - 92) ، والعلمانية (445 - 463) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت