الأعمى دون نظر لطبيعة نشوء هذه الدولة، وتمايُز دين الإسلام عن الأديان المحرفة، وعدم وجود صراع أو تصادم بينه وبين العلم بحال، بل وفاق وتآلف، كما أن العلم التجريبي نفسه يدين بنشأته إلى الإسلام ودولته.
ما يهمنا هنا أن دولة الإسلام -دولة الذين يؤمنون بالغيب- الدولة التي أنشأها القرآن، من الطبيعي أن تسلك في سبيل تحقيق أهدافها وسائل العلم التجريبي والعلم الغيبي والمزج بينهما في تناغم وانسجام عجيب يُبهر العقول ويَسحر الألباب لأنها هكذا أنشأها القرآن.
فدولة الإسلام تدخل الحرب بأحدث وأقوى ما يمكنها صناعته من أسلحة، وتدرب جنودها أقوى ما يمكن من تدريب، وتمزج ذلك بطاعة الله والتوكل عليه والبعد عن المعاصي وتنتظر النتيجة اليقينية التي يخلقها الله بهذه الأسباب والتي لا تتخلَّف طالما اجتمعت، مهما زاد عدد وعُدة العدو [1] فهي تنفذ أمر القرآن {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:60] ، وأمره {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} [الحج:40] ، وأمره {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3] .
وهكذا، حتى يأتي النصر المعجز الناتج عن اتباع أوامر القرآن المعجز.
إنَّ دين دول الكنائس الباطل فشل في هذا المزج، فخُذلوا وثار الناس على الأسباب الكَنَسية الخرافية -وإن كانوا ضلوا باعتبار كل الأسباب الغيبية خرافية-، ولأن الاعتماد على العلم التجريبي وحده أقل بطلانًا من الاعتماد على الخرافات الكنسية أو المزج بين تلك الخرافات وما تسمح به من علم تجريبي، كانت الدول المعتمدة على هذا العلم أقل خذلانًا، وإن كانت في أول لقاء لها مع دولة الإسلام التي مَزج لها القرآن بين العلم الغيبي والتجريبي تُمنى بالخذلان التام.
تبذل دولة الإسلام قُصارى جهدها في تنمية اقتصادها وتأخذ في ذلك كل ما لا يخالف القرآن من أسباب علمية وتمزج بها الأسباب الغيبية نحو قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف:96] .
(1) انظر تفصيل ذلك في"نظرية النصر في الإسلام"للمؤلف.