ليُنتج هذا المزيج ازدهارًا اقتصاديًّا مباركًا فيه، مخالفًا ومتمايزًا عن كل النظريات الاقتصادية -الكنسية أو العلمانية-، مخالفةً في الأسباب واضحةً للعيان، ومخالفةً في النتائج.
مفهوم البركة في الاقتصاد جزئيًّا كان أو كليًّا مفهوم تعجز عن استيعابه العقول الاقتصادية العلمانية بَالُّونيَّة الضخامة، كيف يستوعب"ماركس" [1] و"آدم سميث" [2] مثلًا: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ» [3] ، كيف تكيف هذه العقول «فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» [4] .
كيف تصمد أمام صلاة الاستسقاء، أو أن منع الزكاة يمنع نزول المطر [5] .
نعم تدَّعي الأديان الأخرى"البركة"ولكنَّ دعواهم سراب بقيعة، وظلمات بعضها فوق بعض، ترتطم بصخرة الواقع فتصبح هباءً منثورًا يفيق الغارق فيها على كفر بها لا يقبل أو يرضى عقله بغيره، أما الإسلام فحقيقةٌ ماءٌ معين ونورٌ ساطع، لا تزيد نتائجُ متبعه إلا إيمانًا ويقينًا ونورًا على نور يهدي الله لنوره من يشاء.
وقِس على ما سبق شتى مجالات الحياة؛ السياسة، والبحث العلمي، وعلم الاجتماع ... إلخ.
الخلاصة:
إنَّ تمايز دولة الإسلام فيما يخص الوسائل ليس في مفهوم الوسائل فقط كما بيَّنَّا بفضل الله في الفصل السابق، لكن أبعد من ذلك بكثير في أجناس وأنواع الوسائل، وهي في هذا تتمايز تمامًا مع الدولة المدنية أو الثيوقراطية.
ولا عجب فهي دولة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
(1) ماركس: الأب الروحي للاقتصاد الاشتراكي والشيوعي.
(2) آدم سميث: الأب الروحي للاقتصاد الرأسمالي.
(3) صحيح مسلم (2059) .
(4) سنن أبي داود (3764) ، وسنن ابن ماجة (3286) .
(5) قال صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ» ، ومنها: «وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» سنن ابن ماجة (4019) .