كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التوبة:5] ، وقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] ، وقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ} [التوبة:123] ، وغير هذا من الأدلة كثير.
إنَّ الناظر فيما فصلنا فيه من أهداف دولة الإسلام وحدودها وولايتها على الناس يدرك هذا الأمر بداهة حتى لو لم تصله هذه الآيات، بل هذا هو مقتضى النصح للبشرية والشفقة عليها من الهلاك في سقر، حتى الدول ذات المذاهب الباطلة -دينية كانت أو ديمقراطية أو غيرها- تسعى للولاية على غيرها من الدول وفرض مذهبها عليهم وترى ذلك مُبرَّرًا للغاية؛ لأنه ببساطة ما تراه مصلحة الناس.
وإن كان الأمر يحتاج بعض التأمل في الدول الديمقراطية، حيث -نظريًّا على الأقل- لا تحتل الدول الأخرى وتجعل الأمر في يد شعوبها، لكن هذا الجعل -في يد الشعوب- هو مقتضى تطبيق المبدأ الديمقراطي، أي مقتضى تطبيق ما تعتقده الديمقراطيات ذاتها -وإن لم تنفذه عملًا في كثيرٍ من الأوقات- وهو -كما سبق ووضَّحنا أيضًا- مقتضى منطق أهدافهم.
أقول ما سبق؛ لأن بعض المنهزمين ينكرون هذه الحقائق عن الإسلام ويبحثون عن شواذ الأقوال التي تجعل الحرب في الإسلام دفاعية فقط، وكثير من علماء الإسلام لم يروا هذا الخلاف معتبَرًا أو يستحق الذكر، ولهذا لا تكاد تجد له أثرًا حتى في كتب المطولات المقارنة في الفقه الإسلامي.
ونظرة بسيطة على واقع دولة الإسلام منذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهائها تُظهر لكل ذي بصر أن هذا القول لم تعمل به دولة الإسلام قط.
ويرتبط بما سبق شبهة مفادها؛ إنَّ دولة الإسلام تحارب للسماح بنشر الدين فإذا سُمح بنشره فلا داع للقتال، وسبق أن رددنا على هذه الشبهة [1] ونزيدها إيضاحًا لتعلقها بموضوع حرية الرأي التي يتيه بها العالم حاليًا زُخرفًا من القول غرورًا.
فدولة الإسلام لا تسمح بحرية الرأي بمفهومه العلماني البتة فالإعلام -مقروؤه ومسمُوعه ومرئيه-
(1) انظر (صـ 27) من هذه الرسالة.