ليس له نشر ما يدعو إلى الكفر أو الفسق بأي حال من الأحوال ولا أي مسمى من المسميات، بل وأهل الذمة الذين لهم البقاء على دينهم ليس لهم إظهار شعائر دينهم والدعوة إليه، وليس لأهل البدع من المسلمين الدعوة إلى أفكارهم، بل يُمنعون من ذلك ولو لم يمتنعوا إلا بالقتل قُتلوا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ومن كان داعيًا منهم إلى الضلال لا ينكف شره إلا بقتله قُتل أيضًا؛ وإن أظهر التوبة، وإن لم يُحكم بكفره"، بل ونسب هذا لأكثر السلف فقال:"ولهذا أكثر السلف يأمرون بقتل الداعي إلى البدعة الذي يضلُّ الناس لأجل إفساده في الدين، سواء قالوا هذا كافر أو ليس بكافر" [1] .
وكل ما يفعله هؤلاء مجرد الدعوة لمذاهبهم دون قتال ولا دعوى لقتال أو خروج على الدولة، فأين هذا من أبسط مبادئ حرية الرأي في الدول العلمانية، نعم تسمح دولة الإسلام بنقد تصرفات الدولة أو أحكامها التي يسمح القرآن بنقدها ومناقشتها، ولكن في هذه الحدود فقط وبشروط معينة في النصائح وتوجيهها، لو شاء أحدٌ أن يُسمِّي هذا حرية رأي فليُسمِّه، ولكنا نفخر ولا نعدل عن أن نُسمِّيه واجب النصيحة في الإسلام، وهو جد مختلف ومتمايز عن غيره.
إنَّ سبب ذلك بسيط ومنطقي لأولي الحِجا؛ فالإسلام دين الحق ليس لدينا شك فيه قيد أُنملة، وطريقه فقط منتهاه الجنة، وسائر الطرق منتهاها جهنم رغم أنف المعترض، فرأفةٌ من الله بالناس مُنعوا من الدعوة للكفر والبدع والفسوق والعصيان أو أي شيء يُخالف الإسلام ومن إظهار ذلك، حتى تأخذ دولة الإسلام بحُجُزهم وتهديهم إلى الجنة، بل مع منع أهل الذمة من إظهار شعائر دينهم يضيق عليهم أيضًا قال تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] ، ولا يخفى اقتران شرط إعطاء الجزية مع الصغار، كل هذا من أسباب الرحمة بهم ليتركوا باطلهم الذي توقن دولة الإسلام أنه باطل، فإن تمسَّكوا بباطلهم كان حالُهم منفِّرًا للناس عن الفتنة بهم أو الانجذاب لكفرهم.
من كل هذا وغيره نرى إلى أيِّ مدى ضلَّ وانحرف وهوى في ظلمات التيه من زعم أن دولة الإسلام ترى حرية الرأي مثل الدول الديمقراطية أو العلمانية، أو تؤمن بحقوق الإنسان كما تؤمن بها هذه الدول.
ضدان لا يجتمعان؛ دولة الإسلام وأي دولة أخرى غيرها، والحمد لله تعالى على نعمة الإسلام
(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/ 555) ، و (12/ 500) ، وانظر أيضًا جامع العلوم والحكم لابن رجب (1/ 328 - 329) .