الصفحة 10 من 126

ومُشتَّتُ العَزماتِ يُنْفِقُ عُمره ... حَيران لا ظَفَرٌ ولا إخْفاقُ [1]

هل يَضُرُكَ أن لا يعرِفك أحد؟

إنها التربيةُ التي يجِبُ أن يتربَّى عليها كُل مجاهِدٍ في سبيل الله حين يَحرُصُ على أن لا يعرفَه أحدٌ، ولا يَحْفَلُ به أحدٌ، ولا يُشيرُ إليه أحدٌ، وهي تربيةٌ عمريةٌ كان الفاروقُ رضي الله عنه حريصٌ على إبرازِها أمام جنودِه وأمام رعيَّتِه في المواقف التي لا بُدَّ من التَّأكيدِ عليها حتَّى يستقِر في النفوسِ حقيقة الإخلاص.

فبعدَ معركة نهاوند جاءهُ الرَّسولُ مُبشِّرًا بالفتحِ العظيم فقال لهُ عمر: النُعمانُ بعثكَ؟ قال الرسول: احتسب النّعمان يا أمير المؤمنين، فبكى عُمر واسترجع. ثمَّ قال: ومن ويحك! قال: فلان وفلان حتىَّ عدَّ له ناسًا كثيرًا، ثم قال: وآخرين يا أمير المؤمنين لا تعرفُهم فقال عمر وهو يبكي: لا يَضُرُّهم ألاّ يعرفَهُم عمر ولكنّ الله يعرفهم. [2]

أيها الحُر:

وإذا حَدَثَ أن احتفى بكَ النَّاس وبالغوا في مدحكَ وتزكيتك، فاحذر أن تُصدِّق، فأنت أعلمُ بنفسِك من غيرك، وردِّد أمامَهم ما كان يُردِّدُه الصالحون المخلصون الخائفون: أنا أعلَمُ بِنفسي من غيري، وربِّي أعلمُ بِنفسي مِنِّي، اللَّهُمَّ لا تُؤاخِذهم بِما يَقولون، واجعلني أفضل مِمَّا يَظنون، واغفر لي مالا يَعلمون.

أيها الحُر:

إنما يتعثَّر من لم يُخلص، وإنَّ قلبك الذي بين جنبيكَ لا يؤثِّر عليك وحدك، وإنما يؤثر على المسيرةِ كُلها وقد نتعثَّر بسببك، وقد تتعثر أنت بسبب غيرك إن لم يُخلص ما دام معك!!

فلنَجْعَل شِعارنا جميعًا، شِعار الكرخي رحمه الله يوم يقول: يا نفسُ أخلصي تتخلَّصي.

(1) ديوان عبد الله الخفاجي

(2) 2/ 521 تاريخ الطبري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت