يقول أبو نعيم: (والله ما هَلك من هلك إلا بحب الرياسة!!) [1] فهو الهلاكُ إذًا، وعلى ماذا؟! على لُعاعةٍ من الدنيا؟!"تَعِسَ عبد الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إن أُعْطِيَ رضِي وَإِنْ لم يُعْطَ لم يَرْضَ" [2] إنَّه الاستعباد الذي تضربه هذه الشهوة على جبينِ من سال لعابُه عليها فطلبها، أو خفقَ قلبُه لها فأضمرها، فلا والله لزوال الدنيا بعد ذلك أهونُ عليه من زوالها منه، ولإزالة الجبال الرواسي أيسرُ من إزالتها من قلبه.
أيها الفارس: حب الرياسة داءٌ لا دواء له، فَفِرَّ منها فِراركَ من المجذوم أو فراركَ من الأسد.
الوصية الخامسة عشر
مع الغُرباء حلِّق---
غرباءُ ولغيرِ الله لا نحْني الجِباه ... غُرباءُ وارتضيناها شِعارًا للحياه
"تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى الاٌّ رْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ" [3]
(المُؤمِنُ في الدُّنيا كالغريبِ، لايجزعُ من ذُلِّها، ولا يُنافس في عزِّها. للناسِ حالٌ ولهُ حال، النَّاسُ مِنهُ في راحةٍ وهو من نفسِهِ في تعب) [4]
الغُربة: شعارٌ رُفِع فلم ينضو تحته إلا المؤمنون الصادقون، والأولياء المقرَّبون، والمجاهدون الثابتون.
والمجاهِدُ لا بُدَّ أن يكون حاله غير الحال، وصفته غير الصفة، وهمُّه غير الهم الذي يكون عليه غالبُ الناس، ويحمله عامة الناس، وما ذاك إلا ليكون مؤهلًا للأمر الذي يَحمل، وقادرًا على مواجهة كل المخالفين والمتربصين، وصبَّارًا على الدَّرب الطويل الممتد إلى يوم القيامة!! منتميًا إلى العصابة التي
(1) جامع العلم وفضله 1/ 145
(2) رواه البخاري برقم 2730
(3) القصص 83
(4) قول للحسن البصري- مدارج السالكين 3/ 197