امتدحها النبي الكريم بقوله:"لا تَزَالُ عِصَابَةٌ من أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ على أَمْرِ الله قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ لا يَضُرُّهُمْ من خَالَفَهُمْ حتى تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ على ذلك" [1] .
ولا شكَّ أن الأمر شاقٌ وموحش إلاَّ على هذا الطراز الفريد من البشر!! ويؤكد هذا ابن الجوزي رحمه الله عندما يُطمئِن قوافل السائرين في طريق الغربة هامسًا في آذانهم (فهذه الغربةُ لا وَحشةَ على صاحبها، بل هو آنَسُ ما يكون إذا استوحش الناس، وأشدُ ما تكون وحشتُه إذا استأنسوا، فوليه الله ورسوله والذين آمنوا وإن عاداه أكثرُ الناس وجفوه) [2]
فارقت فأبشر
أيها الفارس:
إنني لأشعُرُ والله بما تشعُرُ به، وأعلمُ أنَّكَ حين لوَّحت بكفِّ الوداعِ لوالديكَ أو لإخوانكَ وأخواتك أو لزوجتكَ وأبنائِك ومضيت - أعلم- أنَّ الشُعور الآن هو شعورُ اقتلاعِ الأرواحِ من أجسادِها، لا اقتلاعِ الأجسادِ من أرضها!! وانتِزاعِ القلوبِ من صدورها، لا تركِ الأفرادِ لمرابِعها!! واجتِذاذِ الأكبادِ من أجسادِها لا رحيلِ الأبدانِ عن أوطانها!!
وأعلمُ أيضًا أنني أصِفُ شيئًا أصعبُ من الموتِ حين تراه، ومن الهولِ حين تلقاه"وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ" [3]
نعم: أعلمُ أنك فارقت الأهل والولد والمال وأنت أحوجُ ما تكونُ إليهم!! فارقتَهُم لله وفي الله وفي سبيل الله، ونعلمُ أنَّ أمرًا كهذا لا يُطيقه إلاَّ أشداءُ الرِّجال ألوا الهِمم العالية، والقلوب الصافية، والنفوس الزاكية، والأرواح المُتعلقة بخالقها، وسرتَ طوعًا في غربتك التي اخترت فطوبى لك"بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كما بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ" [4]
(1) رواه مسلم برقم 1924
(2) مدارج السالكين 3/ 197
(3) النساء 66
(4) رواه مسلم برقم 145