الصفحة 83 من 126

إن هذا الدعاء وتلك البشرى من النبي - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- لهذه الطائفة من أمته لتُعطينا دلالة واضحة على وجوب تَمَيُّزِ المسلم عن غيره من الناس، والمتميزون قليلون!! أو قُلْ أن الذين يقبلون هذا التميز وويطيقونه قليلون، لما يتطلبه من صبر وتحمل وتجلُّد"قِيلَ مَنِ الْغُرَبَاءُ يا رَسُولَ الله قال أُنَاسٌ صَالِحُونَ في أُنَاسِ سَوْءٍ كَثِيرٍ من يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ" [1] وهذا التوصيفُ ليس سهلًا أن ينطبق على المرء مالم يكن عنده من الإيمان والصبر والثبات ما يؤهله لذلك، فهو كقبض على الجمر كما أخبر النبي - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-، بل للعامل الثابت المُتَمَسِّك في مثل هذه الظروف التي تمرُّ به الحركة الجهادية اليوم، أو الحركات الدعوية العاملة، أوالدعاة العاملون والعلماء المخلصون أجر خمسين من الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- فهي أيام صبرٍ"فإن من وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فيه مِثْلُ قَبْضٍ على الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ قال: يا رَسُولَ الله أَجْرُ خَمْسِينَ منهم قال: أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ" [2]

فإنْ تَسْألُّنّي كيف أنتَ فإنني ... صبورٌ على ريبِ الزَّمانِ صعيبُ

حريصٌ على أنْ لا تُرى بِي كآبةٌ ... فيشْمتَ عادٍ أو يُساءَ حبيبُ [3]

والغرباء هم نُزَّاعٌ من القبائل جاؤوا فرادى من بلادٍ شتىَّ وألوان شتى وألسنة شتى، تغربوا عن قبائلهم وشعوبهم أهلهم يجمعهم الإيمان بالله والإيمان بالفكرة والإيمان بالطريق.

وهم مع ذلك -ووجب التنبيه- ليسوا نزَّاعًا من الدُنيا، غرباء عن ثوبِها وحركتها ونشاطها، بل منهم المعلِّم والدكتور والمهندس والطالب وأصحاب الشهادات العليا في كل فن من الفنون، لا كما يحاول أن يُصورهم البعض نزَّاعًا من الدنيا، دفعهُم إلى هذا الطريق واقع اليأس والبأس والفقر والجهل والاضطهاد الذي يعيشون!!. كلا بل جاؤوا وتلكَ هي صفتُهم وذلك هو حالُهم ليُثبتوا أنَّ هذا الطريق هو طريقُ أهل الإيمان الذي فيه كل هؤلاء وأمثال هؤلاء، ومن كان من أهل الإيمان وجب أن

(1) رواه الإمام أحمد برقم 6650 وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: حديث حسن لغيره

(2) رواه ابن حبان في صحيحه برقم 385 وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم

(3) ديوان علي بن أبي طالب رضي الله عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت