يكون من أهل النُّصرة لدينه وعقيدته وفكرته فـ"الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة"لا يُبْطِلُه جورُ جائر ولا عَدْلُ عادل، ولا يوقفه قعود قاعدٍ، ولا تثبيطُ مثبِّطٍ، ولا إرجاف مرجف.
ولعل مجيأهم وهم على هذا المستوى من التأهيل فيه تجسيدٌ لمعنى الغربةِ الحقيقي إذ الطبيعة في هذه الحال الحرص على الشهادة والوظيفة والمنصب، ثم النظر- من الآخرين- بعين التعجُّب، والحديث بلسان التندر بمن يضحي بهذه المؤهلات والمميزات وينطلق سائرًا في هذا الطريق!! أهل يلومون وأصحابٌ يُحذِّرون ومجتمعات تتوعَّد، فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله على طريق المتابعة غريبًا بين هؤلاء الذين قد اتَّبعوا حظوظ نفوسِهم، وأطاعوا شحهم، وأعجب كلٌ منهم برأيه؟!
وهنا يبرزُ التوجيه التربوي النبوي:"حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ وَدَعْ أَمْرَ الْعَوَامِّ" [1] وامض وحيدًا غريبًا"فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ" [2]
فهي عزلةُ مُضيٍّ لا عُزلة انعزال، عزلةٌ يبتعدُ فيها المُجاهِدُ عمَّا يعوقه ويٌثقلُ حركته ويُبطئُ تقدُّمه، لا عمَّا يوصلهُ لغايتهِ ويُبلِّغُهُ هدفه، عُزلةٌ ميدانُها القلبُ لا الأرض، والفِكرُ لا الفِكرة، والشعورُ لا المَشاعِر، فقلبُه للجهاد، وفِكرُهُ مع الجِهاد ومشاعِرُه تتوقَّدُ بالجهاد.
أخصُّ الناسِ بالإيمانِ عبدٌ ... خفيفُ الحاذِ [3] مسكنُه القِفارُ
له في اللَّيلِ حظٌ من صلاةٍ ... ومِن صَومٍ إذا جاءَ النَّهارُ
وقوتُ النَّفس يأتي في كفافٍ ... وكان له على ذاكَ اصْطِبارُ
وفيهِ عِفَةٌ وبه خُمولٌ ... إليهِ بالأصابعِ لا يُشار
(1) رواه ابن حبان في صحيحه برقم 385 وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم
(2) النساء 84
(3) خفيف الظهر