وقلَّ الباكيات عليهِ لَمَّا ... قَضى نَحْبًا وليسَ له يَسَاُر
فذلِكَ قد نَجا مِن كلِّ شرٍّ ... ولم تَمْسَسْهْ يومَ البَعْثِ نَارُ
طبيعةٌ تقتضي وشخصيةٌ تلتزم
أيها الفارس: إن طبيعةَ الطريق وطبيعةَ المرحلة وطبيعةَ الشخصية الجهادية تجتمعُ كلُّها لتأبى التَّأقلم مع البيئةِ التي يظهرُ فيها البُعد، والمخالفة، والتجاوزُ على المنهج، والخروجِ عن الجادَّة (وهي تمامًا طبيعة الغرباء) فهو طريقٌ طبيعتُه الواضحة، ومهمته الأولى العودةُ إلى المنهج الصحيح والطريق المُستقيم، وأي مخالفةٍ لهذه الطبيعة من سُلاَّكِ هذا الطريق والقائمين عليه يعني الخروج عن الجادة، تمامًا كخروج القطار عن سكَّته!! فأوَّلُ المَصِير هو آخر المصير، حيثُ عدم الوصول إلى لهدف لأنَّ الجادة قد ضاعت والقاطرة تحطَّمت.
وجماعة المجاهدين لا بد أن توفِّر لأفرادها أجواء الغربةِ بعد أن تربيهم عليها، وهي مع ذلك لا بدَّ أن تكون متوازنةً في توظيف هذه البيئةِ التربوية الهامة، فهي غربةٌ عن الأوضاع السائدة، لابُعدٌ عنها فالفرقُ كبيرٌ بين أن تغترب وبين أن تبتعد، فالغريب متواصلٌ والبعيدُ منقطع، والغرباء ليس من طبيعتهم الابتعاد بل كما قال النبي -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-:"فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ ما أَفْسَدَ الناس من بَعْدِي من سُنَّتِي" [1] وفي روايةٍ أخرى"هم المُتَمسِّكون بِما أَنتُم عليهِ اليوم"فهو إصلاحٌ ولا يكونُ الإصلاح بالبعد والانقطاع!! وهو تمسكٌ بما كان عليه الصَّحب الكرام، وقد كانوا على أكمل الوجه في العملِ والجهادِ والدعوةِ إلى الله، وهم مع ذلك الغرباء المجسِّدون حقيقة الغربة رغم الخوفِ والهجر والمُجافاة.
والغرباء لولا مخالطتهم الخلق ونصحهم لهم وإنكارهم عليهم لَمَا أبغضوهم، ولما كان الذي يَعصيهم أكثر من الذي يُطيعهم ويؤكد ذلك الثوري -رحمه الله- في حديثه عن غربة العلماء فيقول: (إذا
(1) رواه الترمذي برقم 2630 وقال حديث حسن صحيح