الصفحة 86 من 126

رأيتَ العالِم كثيرَ الأَصدِقاءِ فاعلم أنَّه مُخَلِّط، لأنه إن نَطق بالحقِ أبغضوه) [1] فهو مخالِطٌ إذًا ولكن غير مخلِّط، ومُنكرٌ غير مُداهن، وداعٍ غير مُنعزل.

وأهم أجواء الغربة التي يجبُ أن توفرها جماعة المجاهدين لفُرسانِها هي تربيتهم على (فنُّ التَّخفي) فكما تُدربُهم على فنونِ القتال والتخفِّي والمباغتة والهجوم في الميدان العسكري، كان لزامًا عليها أن تربيهم على فن التَّخفي في الميدان التعبدي (العملي منه والقلبي) وتسلُكُ بهم مَسْلَكَ معاذ بن جبل - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - في استشعار هذه القيمة التربوية العظيمة، حيثُ أنَّ عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - خرجَ إلى مسجدِ رسول - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-، فإذا هو بمعاذ بن جبل - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عندَ قبر رسول الله - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- يبكي!! فقال: ما يُبكيكَ يا مُعاذ؟! قال: يُبْكِيني شيءٌ سَمِعْتُهُ مِن صاحبِ هذا القَبْرِ قال: وما سَمِعْتُهُ؟! قال: سَمِعْتُهُ يقول:"إنَّ اليّسيْرَ مِنَ الرِّياءِ شِرْكٌ، وإنَّ مَن عَادى وليَّ اللهِ فَقد بَارَزَ اللهَ تعالى بالمُحاربةِ، وإنَّ اللهَ يُحِبُّ الأتقياءَ الأخفياءَ الذين إنْ غابوا لَم يُفْتقدوا، وإنْ حَضروا لَم يُدْعَوا ولِم يُعرفوا، قُلوبُهم مَصابيحُ الهُدى يَخْرجون مِن كُلِّ غَبْراءَ مُظْلِمَة" [2]

إذًا: فكما أن فنَّ التَّخفي عن العيون يُعينُ المُقاتل على البقاء والاستمرار في أرض المعركة ومن ثمَّ الخروجُ منها منتصرًا على العدو؛ فإن فنَّ التخفي عن الخلق يُعينُه أيضًا على التوفيق والثبات في معركة الحياة، والنصر على أعدى أعدائه: نفسُه التي بين جنبيه، وكذلك على عدوِّه التقليدي الشيطان الرجيم

تَستَّرتُ مِن دَهْرِي بِظِلِّ جَنَاحِهِ ... فَعَيْنِي تَرى دَهْري ولَيْس يَراني

فَلوْ تَسْأَلِ الأَيَامَ مِا اسْمِي لَمَا دَرَتْ ... وَأَيْنَ مَكَانِي مَا عَرَفْنَ مَكَانِي [3]

صحَّت البداية فصحَّت النهاية

(1) إحياء علوم الدين 1/ 38

(2) رواه الحاكم في مستدركه برقم 7933 وقال رحمه الله هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه

(3) ديوان الحسن بن هانئ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت