على صراطِ الإيمان والاستواءِ على مُرتقاه، مع المعوقات والمُثبِطات في أعماقِ النَّفس، وفي ملابساتِ الحياة، وفي منطقِ البيئة، وفي تصوراتِ أهل الزمان!
فإذا طال الامدُ، وأبطأ نصرُالله، كانت الفتنة أشد واقسى. وكان الابتلاءُ أشد وأعنف. ولم يثبُت إلاَّ من عصم الله. وهؤلاءِ هم الذين يُحققون في انفُسهم حقيقة الإيمان، ويؤتمنون على تلك الامانة الكبرى، أمانةُ السماءِ في الأرض، وأمانة الله في ضمير الإنسان.
وإنهم ليتسلمون الأمانة وهي عزيزةٌ على نفوسهم بما أدَّوا لها من غالي الثمن، وبما بذلوا لها من الصبر على المحنِ، وبما ذاقوا في سبيلها من الآلام والتضحيات. والذي يبذُل من دمه وأعصابِه، ومن راحته واطمئنانِه، ومن رغائبه ولذَّاته. ثم يصبِر على الأذى والحِرمان، يشعرُ ولا شكَّ بقيمةِ الأمانةِ التي بذل فيها ما بذل، فلا يسلمها رخيصة بعد كل هذه التَّضحيات والآلام.) [1]
في قصَصِهم عِبرة
أيها الفارِس!
لا يهولنَّك الأمر، واحذر أن يُقعِدك الخطب، ودع عنكَ استعجال القِطاف فإنَّه مدخلٌ من مداخل العجلةِ سُرعان ما ينزلِق السائرُ في طريقها ويتعثر فمَنْ اسْتَعْجَلَ شَيْئًا قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ، وعليك بالتَّأني والاعتبار (فهذا نوحٌ عليه السلام يُضرب حتى يُغشى عليه، ثم بعد قليلٍ ينجو في السفينة ويَهلكُ أعداؤه. وهذا الخليلُ عليه السلام يُلقى في النَّار، ثم بعد قليلٍ يخرج إلى السلامة. وهذا الذَّبيح يَضْطَجِعُ مُستسلمًا ثم يَسلَم ويبقى المدح.
وهذا يعقوبُ عليه السلام يذهبُ بصرُه بالفراق، ثم يعودُ بالوصول. وهذا الكليمُ عليه السلام يَشتغل بالرعي ثم يَرقى إلى التكليم. وهذا نبيُنا محمد - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- يقال له بالأمس اليتيم، ويُقلَّبُ في عجائب يُلاقيها من الأعداء تارة، ومن مكائدِ الفقر أخرى، وهو أثبتُ من جبل حِراء. ثم لما تم مرادُه من الفتح، وبلغَ الغرض من أكبرِ الملوك وأهل الأرض، نزل به ضيف النُّقلة، فقال: واكرباه.
(1) الظلال (سورة العنكبوت) 6/ 2720 - 2721