الصفحة 56 من 126

حكمةُ القائدِ وقَدْرُ الفرد

ليس حُكمًا على شخْصِك وقدْرِكَ أن تنالَ أو لا تَنالَ من لُعاعةِ الدُنيا وفُتاتِها؛ وإنَّما الحُكْمُ كُلَّ الحُكم هو فيما عرفناهُ من جِهادِكَ وبذْلِكَ وعطائِك.

وما أروع هذه الكلمات التي قالها الغزالي (رحمه الله) وهو يتحدَّث عن الأنصار يذكُر فضلهم وقَدْرَهم؛ ليُذَكِّركَّ بفضلِك وقدرك أيُها المُجاهدُ الحُر؛ حتى لو لم تَنَل مِن مَغْنَمِ الدُنيا ما نالَهُ غيرُك. فما يدريك لعلَّ أميرُك أوكَلَكَ لدينِك وجهادك وشهامتك وعزت نفسك، وأراد بك ما أراد الله لك؟

يقول:(والأنصار في تاريخ الدَّعواتِ مثلٌ فريدٌ للرِّجالِ الذين تقومُ بهم الرِّسالاتُ العُظمى؛ حتى إذا استوتْ على سُوقِها، وتجاوزت أيامَ مِحنتِها ومؤنتها، وتدَّلت ثمِارها وحلا جَناها، جاءت أيدٍ غير أيديهِم، فقطفتْ ما تشْتهي، ولم تكْتفِ بذلك! بل لطمتْ أيدِي الغارِسيبن حتَّى لا تلقُطَ من الثِمار السَّاقطةِ قليلًا ولا كثيرًا!!

ولا نقولُ هذا الكلامِ تعليقًا على توزيعِ الغنائمِ في هذا المقامِ، فقد اتَّضح وجهُ الرُشْدِ في هذهِ القِسْمةِ الحصيفةِ، ولكِنَّنا نُذكِّرُ في مناقِبِ الأنصارِ، وافتراضِ ترفُّعِهم عن الدُنيا في سبيلِ الدِّين، وتأليفِ النَّاسِ عليه، أنَّ شؤون الحُكْمِ ابتعدتْ عنهم، واحتازها غيرُهم وهم لها أكِفَّاء، فلم تمضِ ثلاثون سنَةً حتى كان في أيدي الطُّلقاء.

ولا ريبةَ في أنَّ أولئكَ المُتجردينَ للهِ سوفَ يلقونَ جزاءهم الأوفى، وأنَّ شأن الدنيا أنزلُ قدرًا من أن يأسى عليهِ رجُلُ العقيدة.) [1]

الحكمة في التعاطي بين الأفضلِ والمفضول

يا عائشة":لولا أنَّ قومَكِ حديثوا عهدٍ بجاهلية لَنقَضْتُ الكعبةَ وجعلتُ لها بَا بَيْن" [2]

فهذا كما يقول ابن القيم - رحمه الله- (انتقال عن الأفضل إلى المفضول لما فيه من الموافقة وتأليف القلوب، فهذا ترك ما هو الأولى لأجل الموافقة والتأليف فصار هذا هو الأولى في هذه الحال) [3]

(1) فقه السيرة 396

(2) رواه البخاري برقم 126

(3) زاد المعاد 2/ 143

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت