فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 274

وقد ذكر - رحمه الله تعالى - تسعة وتسعين وجهًا للدلالة على القاعدة؛ وهذه الوجوه هي في حقيقتها أحكام شرعية ثابتة بالكتاب أو السنة، ويظهر فيها أن السبب في تشريعها هو سد الذرائع، فليرجع إليها (4) .

وقد انقسم المتناولون لهذه القاعدة الشرعية إلى طرفين ووسط:

الطرف الأول: أهل الإفراط والغلو: وهم الذين أفرطوا في تطبيقات هذه القاعدة، وتوسعوا فيها، حتى ضيقوا على الناس بتحريم بعض المباحات نظرًا إلى أنها قد تؤدي إلى محرم، ولو على وجه الندرة والظن الضعيف؛ كمن يحرم بيع العنب على الناس لأن من بينهم من قد يصنع منه خمرًا أو يحرم بيع السلاح على الناس في غير أيام الفتن خشية أن يستخدم في العدوان على الناس.

الطرف الثاني: أهل التفريط والإضاعة: وهم الذين فرَّطوا في اعتبار المآلات، وأهملوا استخدام هذه القاعدة الشرعية ولم ينظروا إلى ما يؤول إليه المباح وقصروا النظر على الفعل نفسه؛ فإن كان مباحًا فهو مباح وإن غلب على الظن أنه يقود إلى محرم. فنشأ من جراء ذلك مفاسد عظيمة، وعُطلت هذه القاعدة الشرعية القائمة على أن ما أدى إلى الحرام فهو حرام وأنَّ الوسائل لها حكم المقاصد؛ فنجد هؤلاء مثلًا لا يمانعون أن يباع العنب على رجل يغلب على الظن من حاله وسيرته أنه يصنعه خمرًا، ولا يمانعون من بيع السلاح أيام الفتن، ولو غلب على الظن أن يستخدم في قتال المسلمين؛ لأنهم إنما نظروا إلى أصل عقد بيع العنب والسلاح وهو الإباحة، ولم ينظروا إلى مآلات الفعل ومقاصد الفاعلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت