فهرس الكتاب
استنبط الفقهاء من الكتاب والسنة قواعد شرعية يحاكمون إليها ما يجد في حياة الناس من أقضية وأحداث ونوازل، ليصلوا بذلك إلى الحكم الشرعي المنطلق من هذه القواعد ومقاصد الشريعة. ومع ذلك فقد تجرأ على هذه القواعد وخاض فيها من ليس من أهل العلم والاجتهاد المؤهلين للفتيا وبيان الأحكام الشرعية؛ فزادوا فيها ونقصوا، وأفرَّطوا، في تطبيقاتها وفرَّطوا، وحرَّموا وحلَّلوا، وحصل من جراء ذلك غلو وتضييق على الناس، أو تفريط وإضاعة ونشر للشر والفساد. ووفق الله عز وجل الربانيين من أهل العلم إلى التوسط في تناول هذه القواعد فطبقوها بعدل وتوازن وضبطوها بضوابط شرعية (1) تحميهم من التطرف نحو الغلو والإفراط أو التطرف نحو التفريط والإضاعة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى: «الانحراف عن الوسط كثير في أكثر الأمور في أغلب الناس؛ مثل تقابلهم في بعض الأفعال يتخذها بعضهم دينًا واجبًا أو مستحبًا أو مأمورًا به في الجملة، وبعضهم يعتقدها حرامًا مكروهًا أو محرمًا أو منهيًا عنه في الجملة» (2) .
وأذكر على سبيل المثال قاعدة شرعية عظيمة قام عليها ربع الأحكام في هذا الدين؛ ألا وهي: (قاعدة سد الذائع) ؛ يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - عن هذه القاعدة: «وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف؛ فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود. والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه. والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة. فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين» (3) .