فهرس الكتاب
وآله وسلم وأصحابه من غير غلو ومجاوزة ولا تقصير ولا تفريط؛ فهذا هو الاحتياط الذي يرضاه الله ورسوله. وأما الوسوسة فهي ابتداع ما لم تأت به السُنَّة ولم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أحد من الصحابة؛ زاعمًا أنه يصل بذلك إلى تحصيل المشروع وضبطه؛ كمن يحتاط بزعمه ويغسل أعضاءه في الوضوء فوق الثلاث فيسرف في صب الماء في وضوئه وغسله، ويصرح بالتلفظ بنية الصلاة مرارًا، أو مرة واحدة، ويغسل ثيابه مما لا يتيقن نجاسته احتياطًا، ويرغب عن الصلاة في نعله احتياطًا، إلى أضعاف أضعاف هذا مما اتخذه الموسوسون دينًا وزعموا أنه احتياط.
وقد كان الاحتياط باتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما كان عليه أولى بهم؛ فإنه الاحتياط الذي من خرج عنه فقد فارق الاحتياط، وعدل عن سواء الصراط. والاحتياط كل الاحتياط الخروج عن خلاف السُنَّة ولو خالفت أكثر أهل الأرض بل كلهم» (27) .
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جَمْعٍ: (هلم القط لي) . فلقطتُ له حصياتٍ من حصى الخَذْف، فلما وضعهن في يده قال: (نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين) (28) .
وقد قال أهل العلم في حجم الحصى الذي يرمى به أنه بين الحمص والبندق، فما زاد على البندق فهذا إفراط، وما نقص عن الحمص فهو تفريط، والعدل بين الإفراط والتفريط.