فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 118

قال ابن القيم رحمه الله في المدارج (2\ 369) : (لمَّا كان الذُّل منهم ذُلَّ رحمة وعطف وشفقة وإخبات، عدَّاه بأداة(على) تضمينًا لمعاني هذه الأفعال، فإنَّه لم يرد به ذُلَّ الهوان الذي صاحبه ذليل، وإنَّما هو ذُلُّ اللِّين والانقياد الذي صاحبه ذلول، فالمؤمن ذلول.) اهـ

فأين من صاروا أسودا على إخوانهم المسلمين خواصهم وعوامهم، وما فقهوا أن الجهاد ليس هو فقط جزّ الرؤوس وسفك الدماء بل ذلك جانب يقابل به العتاة المتكبرون على الحق، والظالمون الباغون على الخلق؛ فيُنامون ويُحسون بهذا الجانب.

أما مع أهل الحق فيُظهر لهم الولاء، وتُظهر لهم الرحمةوالشفقة والرأفة وخفض الجناح؛ كما قال تعالى لسيد المجاهدين: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُم ْفِي الْأَمْرِ} (آل عمران 159)

وتأمل جوانب اللين للمؤمنين كيف تُحقق عمليا ًبالبعد عن الفظاظة والغلظة معهم، ومعاملتهم بالرحمة والرفق والعفو عن عثراتهم، والاستغفار لهم ومشاركتهم ومشاورتهم في الأمر؛ الشيء الذي يُدخل السرور عليهم ويَصنع منهم قادة ورجالا يقودون الأمم بالرحمة، فهذه غاية رئيسية من ذلك؛ وإلا فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن بحاجة إلى مشورتهم إن هو إلا وحي يوحى؛ ولكنّه تعليم لنا كيف نكون مع بعضنا البعض، وكيف نسوس المؤمنين، ونتألف قلوبهم خصوصا ونحن ليس كالنبي صلى الله عليه وسلم؛ بل نحتاج مشاركة عقولهم ومشاورتهم.

وسيأتي في الصفات المكروهة لله التي لا يحب الله أهلها: (إنّ الله يُبغض كل جعظري جواظ) وأنّه يغضب من المتعظّم في نفسه، المختال في مشيته.

وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يَبغي أحد على أحد) .

وفيه عن ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) .

وقد كان قدوتنا صلى الله عليه وسلم رحيما بهذه الأمة شفوقا عليها متواضعا لأصحابه لينا مع عامة المسلمين وخاصتهم وحتى إنه كان يمر بالصبيان فيسلم عليهم، وتأخذ الأمة بيده فتنطلق به حيث شاءت، ويكون في بيته في خدمة أهله، وكان يخصف نعله ويرقع ثوبه ويحلب الشاه لأهله ويعلف البعير ويأكل مع الخادم ويجالس المساكين ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويبدأ من لقيه بالسلام ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء ..

فأين من هذا كله؛ من يريد أن يكون جبارًا في الأرض، وما يريد أن يكون من المصلحين؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت