والخلّة هي أعلى درجات المحبة لأن الخليل هو الذي وصل حبه إلى سويداء القلب وتخلّل مجاري عروقة؛ وليس فوق الخلّة شيء من أنواع المحبة أبدا قال الشاعر:
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ... وَبِذَا سُمِّيَ الخَليلُ خَلِيلاَ
فالمحبة والمودة عامه أو مطلقه، أما الخلّة فهي خاصة بإبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام لأن النبي قال: (إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا) قال شيخ الاسلام (10\ 120) : وأما الخلة فخاصة؛ وقول بعض الناس ان محمدا حبيب الله وإبراهيم خليل الله وظنه أن المحبة فوق الخلّة؛ قول ضعيف فإن محمدا أيضا خليل الله كما ثبت في الأحاديث الصحيحة المستفيضة، وقال: والخلة ليس لغير الله فيها نصيب، بل قال صلى الله عليه وسلم: (لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا) علم مزيد مرتبة الخلة على مطلق المحبة.
فالخلة صفة من صفات الله عز وجل وهي أعلى أنواع المحبة وهي توقيفية لا يجوز ان تثبت لاحد من البشر انه خليل إلا بدليل؛ والدليل اختص هذين النبيين بها صلى الله عليهما وسلم.
والأشاعرة ينفون صفة المحبة عن الله تعالى عقلا وشبهتهم أن المحبة والرضا يقتضيان ملائمة ومناسبة بين المحب والمحبوب، ويوجب للمحب بالتواصل مع محبوبه فرحا لذلك وسرورا، وأن الملاءمة تقتضي الحاجة؛ إذ ما لا يحتاج إليه لا يحبه، قالوا والله غني لا يجوز عليه الحاجة فهو غني عن العالمين وفي الحديث القدسي (يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي) فلهذا فسروا المحبة والرضا بالإرادة، وقد أجاب شيخ الإسلام عن ذلك في الفتاوي (11\ 195) من وجهين:
الأول: الإلتزام: بإلزامهم بأن الإرادة أيضا لا تكون إلا للمناسبة بين المريد والمراد وملاءمته في ذلك تقتضي الحاجة؛ وإلا فما لا يحتاج إليه الحي لا ينتفع به ولا يريده، والواجب عليهم إما نفي الإرادة مع المحبة أو إثبات الجميع كما هو عند أهل السنة.
والثاني: بيان الفرق بين الرب والخلق؛ وعدم جواز مقايسة الخالق صاحب الوجود الكامل وصفات الكمال على المخلوق الذي يجوز عليه النقص من كل الوجوه.
ومن هذا يظهر لك أن نفاة صفة المحبة عن الله إنما دعاهم للنفي وقوعهم في التشبيه فهم لا يفهمون الصفات إلا على وجه التشبيه ولذلك ينفونها بزعم التنزيه ولو فهموها ومرروها على طريقة السلف؛ إثبات بلا تمثيل ولا تأويل ولا تكييف لأثبتوها ولما عطلوها أو أولوها.