فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 118

يستحق لأجلها أن يُحَب ويُعبَد بل لا يجوز أن يحب شيء من الموجودات لذاته إلا هو سبحانه وبحمده فكل محبوب في العالم إنما يجوز أن يحب لغيره لا لذاته، والرب تعالى هو الذي يجب أن يحب لنفسه وهذا من معاني إلهيته و (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) فإن محبة الشيء لذاته شرك، فلا يحب لذاته إلا الله وحده، وكل محبوب سواه ان لم يحب لأجله أو لما يحب لأجله فمحبته فاسدة، والله تعالى خلق في النفوس حب الغذاء وحب النساء لما في ذلك من حفظ الأبدان وبقاء الانسان فإنه لولا حب الغذاء لما أكل الناس ففسدت أبدانهم، ولولا حب النساء لما تزوجوا فانقطع النسل، والمقصود بوجود ذلك بقاء كل منهم ليعبدوا الله وحده، ويكون هو المحبوب المعبود لذاته الذي لا يستحق ذلك غيره، وإنما تُحَب الأنبياء والصالحون تبعا لمحبته فإن من تمام حبه حب ما يحبه وهو يحب الأنبياء والصالحين ويحب الأعمال الصالحة فحبها لله هو من تمام حبه، وأما الحب معه فهو حب المشركين الذين يحبون أندادهم كحب الله، فالمخلوق إذا أحب لله كان حبه جاذبا إلى حب الله واذا تحاب الرجلان في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه؛ كان كل منهما جاذبا للآخر إلى حب الله كما قال تعالى (حُقت محبتي للمتحابين فيّ وحقت محبتي للمتجالسين فيّ وحُقت محبتي للمتباذلين فيّ، وإن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بقربهم من الله وهم قوم تحابوا بروح الله على غير أموال يتباذلونها ولا أرحام يتواصلون بها، إن لوجوههم لنورا وإنهم لعلى كراسٍ من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس) [1] .

وقال أيضا (10\ 157) :(فمن أحب مخلوقا كما يحب الخالق فهو مشرك به قد اتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وإن كان مقرا بأن الله خالقه؛ ولهذا فق الله ورسوله بين من أحب مخلوقا لله وبين من أحب مخلوقا مع الله

فالأول: يكون الله هو محبوبه الذي هو منتهى حبه وعبادته لا يحب معه غيره ولكان لما علم ان الله يحب انبياءه وعباده الصالحين أحبهم لأجله، وكذلك لما علم ان الله يحب فعل المأمور وترك المحظور أحب ذلك فكان حبه لما يحبه تبعا لمحبة الله وفرعا عليه وداخلا فيه.

بخلاف من أحب مع الله فجعله ندا لله يرجوه ويخافه أو يطيعه من غير ان يعلم ان طاعته طاعة لله ويتخذه شفيعا له من غير أن يعلم أن الله يأذن له أن يشفع فيه ... )

إلى قوله: (ثم إن كثيرا من الناس يحب خليفة أو عالما أو شيخا أو أميرا فيجعله ندا لله وان كان قد يقول إنه يحبه لله.

فمن جعل غير الرسول تجب طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه وإن خالف أمر الله ورسوله

(1) رواه أحمد والترمذي في الزهد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت