فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 118

وقد جاء الأمر بالقسط بمعنى العدل صريحا في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحسان} (النحل 90)

فالعدل واجب على العبد مع الناس والعباد، والإحسان بمعنى الصفح والتنازل عن الحقوق مندوب إليه وهو من الفضل.

وفي العدل مع النفس يقول سفيان بن عيينة عن هذه الآية: (العدل في هذا الموضع هو استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملا، والإحسان: أن تكون سريرته أحسن من علانيته.

* ويجدر بنا التنبيه ههنا إلى أن العدل الذي يأمر به الله تعالى ليس هو ما ينادي به المعاصرون من الكفار والغربيين أو بعض الأغبياء المنتسبين للإسلام ممن يتابعون الكفار على غير بصيرة مما يسمونه بالمساواة بين الناس جميعا مسلمهم وكافرهم ذكرهم وأنثاهم ونحوهم من غير المتماثلين شرعا، والله تعالى أمر بالعدل وليس بالمساواة لأن المساواة المطلقة ظلم فالمساواة مثلا في إيجاب الزكاة على الغني والفقير ظلم، والمساواة بفرض الجهاد على القادر وغير القادر ظلم، والمساواة في ذلك بين الرجل والمرأة ظلم، وكذلك المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث ظلم لما يترتب على كل واحد منهما من واجبات وحقوق غير متساوية، والعدل هو إعطاء كل ذي حق حقّه، وليس من العدل المساواة والجمع بين المفترقين وغير المتماثلين وغير المتساويين في حكم الله تعالى.

وقد قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} (النساء 58)

فأمر سبحانه بالحكم بين الناس بالعدل ومدحه، ولم يأمر بالمساواة المطلقة ولا امتدحها وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أو الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أو فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أو تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (النساء 135)

وفيها الأمر بالقيام بالقسط ولو كان الحق على نفس المسلم أو والديه وأقربائه، والتحذير من اتباع الهوى الذي يدعو إلى الميل في الحكم والظلم عند مخالفة الحق لمصلحة الإنسان أوقريبه، وقد بين الله تعالى في آية أخرى أن من يتقبل العدل والحق في حال كونه معه وله فقط، أنه من الظالمين وليس من المقسطين فقال تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} (النور 48 - 50)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت