فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 118

فالتوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم، والكسب سنته، فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته؛ فقد ظاهر صلى الله عليه وسلم بين درعين يوم أحد، واستأجر دليلا يدله على طريق الهجرة، وكان يدخر لأهله قوت سنة، وإذا سافر في جهاد أو حج أو عمره حمل الزاد والمزاد، وهو سيد المتوكلين.

والأسباب بعضها مأمور بها وبعضها مباح،

فترك الأسباب المأمور بها قادح في التوكل، وترك الأسباب المباحة لما هو أرجح منها مصلحة فممدوح وإلا مذموم.

-ونفاة الأسباب جعلوا التوكل كالدعاء عبودية محضة، لا فائدة لهما إلا ذلك .. وهؤلاء لا يستقيم لهم توكل البتة ..

ومن نفى الأسباب فتوكله مدخول؛ وهذا عكس ما يظهر في بدوات الرأي من أن نفيها من تمام التوكل، وذلك لأن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكل فيه، فهو كالدعاء الذي جعله الله سببًا في حصول المدعو فيه، ومن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل.

-ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب، وقطع علاقة القلب بها، فيكون حالُ قلبه قيامه بالله لا بها، وحال بدنه قيامه بها.

فالأسباب محل حكمة الله وأمره ودينه.

والتوكل متعلق بربوبيته وقضائه وقدره، فلا تقوم عبودية الأسباب إلا على ساق التوكل.

ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية،

وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحة التوكل، فإن العبد متى التفت إلى غير الله؛ أخذ ذلك الالتفات شعبة من شعب قلبه، فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشعبة. ولذلك قلنا إن التوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب وتعلق الجوارح بها، فيكون منقطعًا منها متصلًا بها.

ونقول: إن خلع الأسباب توحيد؛ وتعطيلها إلحاد وزندقة؛

فخلعها عدم اعتماد القلب عليها وعدم وثوقه وركونه إليها مع قيامه بها،

وتعطيلها وإلغاؤها عن الجوارح.

*التوكل من أعظم مقامات المعرفة بأسماء الله:

كلما كان العبد بالله أعرف كان توكله أقوى، وذلك لأن التوكل له تعلق بعامة أسماء الأفعال وأسماء الصفات؛ فله تعلق باسم (التواب، والرؤوف والرحيم) وتعلق باسم (الفتاح، والوهاب، والرزاق، والمعطي والمحسن) وتعلق باسم (المعز، المذل، الخافض، الرافع والمانع) من جهة توكله عليه في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت