وقال ابن القيم: (لمّا كَثُرَ المدَّعون للمحبة؛ طولبوا بإقامة البيِّنة على صحة الدعوى، فلو يُعطى الناس بدعواهم لادعى الخليّ حِرقة الشجيّ، فتنوّع المدعون في الشهود، فقيل: لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة(قل إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يُحببكم الله) فتأخّر الخلق كلّهم وثبتَ أتباع الرسول في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه) أهـ من زاد المعاد.
فكلّ من كان أَتْبَع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان لله أحب.
وقال الحافظ ابن كثير: (هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية؛ فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتّبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله؛ كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:(من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) ولهذا قال: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه؛ وهو محبته إياكم وهو أعظم من الأول كما قال بعض العلماء الحكماء: (ليس الشأن أن تحِب أنما الشأن أن تحَب) وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يُحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية فقال: (قل إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله) أهـ التفسير.
فهذه الآية يُسميها العلماء آية المِحنة أو الإمتحان.
وتأمل كيف أنه لم يقابل دعواهم للمحبة بقول: {فاتبعوني تَصْدُقوا في دَعْواكم} أو {فاتبعوني إن كنتم صادقين} ؛ بل جاء والجواب: (يُحببكم الله) إشارة إلى أنه المقصود والثمرة العليا أن يُحِبّنا الله.
اللهم فاجعلنا من أتباع نبيك وأنصار دينك وأحبابك يا حبيبنا.
فالواجب على المحب الحقيقي أن يُوحِّد الرسول صلى الله عليه وسلم بالتّحكيم والتسليم والانقياد والإذعان والاتباع.
كما وَحَّدَ مُرْسِله سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذّل والإنابة والتوكل.
(فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المُرْسِل وتوحيد متابعة الرسول، فلا يحاكِم إلى غيره ولا يرضى بحكم غيره؛ ولا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه ومَنْ عظّمه) أهـ المدارج.
-ومُتّبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم لا يُقدّم على أمره ونهيه أمرَ أحدٍ أو نهيه أو هواه أو ذوقه؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) والتقديم بين يدي سنّته بعد وفاتِه؛ كالتقديم بين يديه في حياته، ولا فرق بينهما عند ذي عقل سليم.