سبيله صفًا؛ وليس هذا وحسب بل صفًا واحدًا مرصوص البنيان، غير متفرّق ولا متشرذم ولا مضعضع أو مزعزع.
-وهذا فيه من الفوائد الجليلة والأوصاف العظيمة ما يعود على أهل الإسلام بالخير والنصر والعزة والرفعة على الاعداء.
-فإن فيه مدح وثناء على القتال الجماعي (صفًا) وليس فردًا، فإن القتال الفردي وإن كان قد ورد ذكره في الكتاب والسنة كتكليف؛ ولكن الأحب إلى الله تعالى والأعلى قدرًا والأنفع لأهل الإسلام هو القتال الجماعي، صفًا وليس أفرادًا متفرقين، جماعة وليس آحادًا أو وحدانًا عِزِين ... فإن الصف والعمل الجماعي أبرك وأنفع للإسلام وأهله وأنكأ وأشد على الشرك وأهله؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الجماعة بركة والفرقة عذاب) .
وقد أفرد الله الصف ووحّده في هذه الآيات، وسُميت السورة كذلك بسورة الصف وليس الصفوف؛ مع أن الجيش لابد أن يتكون من صفوف خصوصًا عندما يكثر عدده؛ وما ذلك إلا لفائدة عظيمة أخرى وهي التوحّد والتراص والتماسك كالبنيان الواحد؛ لا التفرّق والتشرذم والإنقسام إلى جماعات فإن في التفرق يحصل التنازع والفشل وذهاب الريح، وهذا واقع ومشاهد في تجارب المسلمين في ساحات الجهاد خصوصًا في زماننًا هذا، عندما تركب بعض جماعات الجهاد رؤوسها وتتعنت على مسمياتها وتنكفئ على نفسها؛ وتأبى الإتحاد مع خيار المجاهدين وخلاصة جماعاتهم، فضلا عن أن تتحالف مع عموم المقاتلين المنتسبين للإسلام أو المؤيّدين لمشروعه الخارجين على الطغيان؛ وهؤلاء لا يفقهون من الجهاد إلا القتال ويضيّقونه ويحجّمونه حتى يصغرونه بحجم فوهة البندقية ... والله سمّاه في هذه السورة العظيمة تجارة؛ والتجارة لها أصولها وسياساتها وإعلامها وإدارتها وإعلانها وتسويقها، ولذلك ففي سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وسياسته الشرعية وترتيباته وأولوياته وترجيحاته وتحالفاته ومعاهداته وتركه طوائف وتأجيل آخرين، واستعمال بعض الصحابة لخصوصيات ومصالح شرعية، وعزل آخرين لمواقف ومصالح كل ذلك وغيره تعليم للأمة بأنّ إقامة دين الله والتمكين للمسلمين وتحكيم شرعه؛ يحتاج مع القتال إلى أشياء أخرى وضحها لنا صلى الله عليه وسلم قوليًا وعمليًا؛ وباجتماعها مع القتال يصير القتال تجارة حقيقية، تُنجي من الغمّ والهمّ ومن الذل والهوان ومن العذاب الأليم وقوله: (كأنهم بنيان مرصوص) قال الفراء: (مرصوص بالرصاص) أي يُذاب عليه الرصاص حتى يصير كأنه قطعة واحدة، أو أنّ الرصاص يُجعل ملاطا للبناء يَربط بين لبناته، وقال المبرد: (هو من رَصصت البناء إذا لائمت بينه وقاربت حتى يصير كقطعة واحدة) .