حديث، فبات ليلةً يتقلب كثيرًا، قالت: فَغَمَّني، فقلت: تتقلب لشكوىً أو لشيءٍ بلغك؟، فلما أصبح قال: أي بُنَيَّةُ؟ هَلُمَّي الأحاديثَ التي عندك، فجئته بها، فدعا بنار فأحرقها، وقال: خشيتُ أن أموت وهي عندك، فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته، ووثقت به، ولم يكن كما حدثني، فأكون قد تقلدت ذلك )) [1] .
وعن عروة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق يستخير الله فيها شهرًا، ثم أصبح يومًا وقد عزم الله له، فقال: (( إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبًا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيءٍ أبدًا ) ) [2] .
وهذه المحاولات تعبر عن الوضع الرسمي لولاة الأمر، أما المحاولات الخاصة على مستوى الأفراد، فقد كانت منتشرةً مشهورةً، وهي الأساس المتين الذي قام عليه تدوين الحديث الشريف فيما بعد.
وعن سعيد بن جبير قال: كنت أسمع من ابن عمر وابن عباس الحديث بالليل فاكتبه في واسطةِ الرَّحْلِ فإذا نزلت نسخته [3] .
حتى كان أن كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاكتبه، فإني خِفْتُ دُروسَ العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، وَلْتُفْشُوا العلم، ولْتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا [4] .
وكان عمر قد كتب بمثل ذلك أيضًا إلى أهل الآفاق، وأمرهم بالنظر في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجمعه.
(1) كنز العمال ج 10/ص 126 ..
(2) مصنف عبد الرزاق ج 11/ص 257/ 20484.
(3) مصنف ابن أبي شيبة ج 5/ص 314/ 26434، تقييد العلم للخطيب البغدادي ج 1/ص 103.
(4) صحيح البخاري ج 1/ص 49/ 34، باب كيف يقبض العلم.