إن الحمد لله الذي منّ على خلقه من الناس بنعمه التي لا تحصى ظاهرة وباطنة ومن أعظمها أن شرع لهم الدّين وقال:"فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون"البقرة /132"دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين"الأنعام /161 ومن قيم هذا الدّين الاقتصاد وتدبير الشئون المالية وما يقوم عليه من"المصرفية"الإسلامية وما يقوم عليها من أعمال ونشاطات المصارف والمؤسسات المالية في الواقع العملي، كأعظم إنجاز حققه الفكر الشرعي الإسلامي للعالمين في القرن العشرين. ومن أعظم منجزات هذه المؤسسات على الإطلاق الهيئات الشرعية فيها كأجهزة مستحدثة في بنائها التنظيمي ـ يجب أن تكون ذات طبيعة مستقلة ـ والهيئة الشرعية على هذا النحو من الاستقلالية تعتبر تغييرا جذريا في شكل ومضمون الفكر الإداري والتنظيمي الوضعي الذي درج علماؤه على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم على شكله الهرمي الذي لا يعرف ولا يتسع لمثل هذه الأجهزة المستحدثة من الهيئات الشرعية.
وفي إطار هذه المنظومة المستحدثة في تنظيم وإدارة المؤسسات المالية نتحدث في هذا البحث عن استقلالية الهيئة الشرعية وكيف تكون تلك الهيئة اكثر تفاعلا وفاعلية إذا تحقق لها ذلك الاستقلال بمفهومه وضوابطه ومتطلباته؛ وكيف أن المؤسسات المالية الاسلامية بهذا الجهاز المستحدث تكون أكثر قدرة على تحقيق أغراضها وأهدافها التي تسعى إليها والمنصوص عليها وجوبا في عقود تأسيسها ونظمها الأساسية.
إنها معادلة تنويرية تطويرية جديدة تتبناها المؤسسات المالية الاسلامية في صلب هيكلها التنظيمي ونظامها الإداري ويجب أن نأخذها بحقها في فنيات أعمالها ونشاطاتها في سعيها الحثيث المتواصل نحو الجودة الشاملة والتقنية الفائقة بما يحقق مصلحة الناس جميعا وهو ما نحاول ـ مستلهمين التوفيق والسداد من الله سبحانه وتعالى ـ إلقاء الضوء عليه في المباحث الأربعة التي احتواها البحث بعد محاولتنا الأولى منذ سبعة عشر عاما في كتابنا الاستثمار والرقابة الشرعية.