المبحث الثالث
ثبوت النسب من الزنا (نسب المنبوذ)
إن هذه المسألة قد يبدو للناظر لأول وهلة أن الحكم الشرعي في نسب أولاد الزنا هو محل إجماع أو موطن اتفاق بين الفقهاء؛ ولاشك أن المسألة إذا ثبتَ الإجماعُ فيها بشروطه فإنه لا مجالَ للحديث فيها برأي آخر, فللإجماع هيبته وللاتفاق مكانته!
أضف إلى ذلك لو كان في المسألةِ محل البحث نصٌ قطعي الثبوت والدلالة، فهذا مما يرفع الخلاف ويتعين المصير إليه.
إلا أن مسألتنا هذه مدار البحث لها صورتان؛ ولكل صورةٍ حكمها أو أحكامها المتعلقة بها.
فالصورة الأولى: محل إجماع, والأخرى: فيها نوعُ خلاف.
والمسألةُ برمتها من المسائل العظيمة بالنظر إلى آثارها ولوازمها, وهي كما وصفها الإمام ابن القيم - رحمه الله - (مسألةٌ جليلة) وتحتاج إلى استصحاب قواعد الشرع ومقاصدها العليا واعتبار المآلات حتى يكون الحكم أو تكون الفتوى محققة لمصالح المُكلفين.
المطلب الأول: في حكم الصورة الأولي وحكمها:
وهي: (أن تكون المرأةُ المزني بها فراشًا, بأن تكون زوجةً أو أمةً يطؤها سيدها)
حكمها: هذه الصورة من المسألة محلُ إجماع, فقد حُكي الإجماعُ على أن الزانيةَ إذا كانت فراشًا لزوجٍ أو سيد, وجاءت بولدٍ ولم ينفه صاحبُ الفراشِ, فإنه لا يُلحقُ بالزاني ولو استلحقه, ولا تصح نسبته إليه, ويُنسب لصاحب الفراش.
قال الإمامُ ابنُ عبدِ البر - رحمه الله: (وأجمعت الأمةُ على ذلك نقلًا عن نبيِها - صلى الله عليه وسلم - , وجعل رسولُ اللهِ كل ولد يولد على فراشٍ لرجلٍ لاحقًا به على كل حال, إلا أن ينفيه بلعان .. ) [1] .
(1) التمهيد (8/ 183) .