المبحث الثاني
(رعايةُ الإسلامِ للقطاء)
هذه الشريعةُ الخالدةُ والخاتِمةُ شريعةٌ ربانيةٌ جاءت لترعى مصالحَ العبادِ في كلِّ زمانٍ ومكان, وأعطت «النفسَ البشريةَ» حقها من الحُرمة والتقدير والرعاية، لذلك تقرأُ في كتابِ الله مثل قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} (المائدة: 32) .
وتقفُ في السنةِ على تقديرِ رسولِ الهدى والرحمةِ صلواتُ ربي وسلامه عليه ونظرته لهذه النفس الإنسانية, بل وما ورّثه لأصحابهِ من بعده من خلق ورحمة بالناس, جاء في صحيح مسلم: أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ كَانَا بِالْقَادِسِيَّةِ فَمَرَّتْ بِهِمَا جَنَازَةٌ فَقَامَا فَقِيلَ لَهُمَا إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ. فَقَالاَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ فَقِيلَ إِنَّهُ يَهُودِىٌّ. فَقَالَ «أَلَيْسَتْ نَفْسًا» .
ولاغرابة في ذلك إذا علمنا أن رسولَ اللهِ عليه الصلاةُ والسلامُ ما أرسله ربهُ تعالى ذكره إلا ليكون رحمةً للعالمين! قال اللهُ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107)
وعندما تتصفحُ كتبَ أهلِ الإسلامِ من أصوليين وفقهاء وغيرهم تجدُ مباحثَ كثيرة ودقيقةٍ تعتني بالإنسان في جميع مراحله العمُرية من جهة بيان حقوقه وواجباته التي ضمنها وكفلها له الشرع, وما مباحث (الأهلية وعوارضها) في كتب علم أصول الفقه إلا مثالًا على هذا كله, ولأن الخلقَ خلقُ الله مهما كانت توجهاتهم أو أديانهم أو ظروفهم؛ فإن الإسلامَ له منهجهُ العدلُ والوسطُ في التعامل مع فئات البشر وإعطاء كلِّ حالةٍ حقها من الأحكام والتوجيهات.