عند التأمل في أقوال العلماء في هذه المسألة وأدلتهم واعتراضاتهم وترجيحاتهم وتعليلاتهم, نستطيعُ أن نتلمسَ أسبابَ الخلافِ أو بعضَها, ومنها:
1 -أن الأدلة والنصوصَ التي استدل بها الجمهور هي عند أصحاب القول الثاني على نوعين: إما صحيحةٌ غير صريحة؛ أو بمعنى آخر ليست نصًا في المسألة! أو صريحةٌ غير صحيحة أو فيها مقال من حيث الإسناد.
2 -تعارض هذه النصوص - في الظاهر - مع بعض النصوص القرآنية العامة والقواعد الكلية والمقاصد الشرعية.
3 -اختلافُ النظرةِ في سبب ثبوت النسب، هل يثبت النسب بمجرد الأمر الطبعي وهو تولد هذا الولد من ماء هذا الرجل؟ أم لابد مع ذلك من تحقق السبب الشرعي؟ فلابد من اجتماع السببين: الشرعي والطبعي!
وإلى مثل هذا أشار الفقيه المالكي ابنُ رشدٍ رحمه الله؛ وإن كان في مسألة: الزنا هل يوجب من التحريم ما يوجب الوطء في نكاح صحيح أو بشبهة؟ مما يُدرأ فيه الحد.
قال: (وسببُ الخلاف: الاشتراك في اسم النكاح؛ أعني: في دلالته على المعنى الشرعي واللغوي, فمن راعى الدلالةَ اللغوية في قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ} (النساء: 22) قال: يحرّم الزنا, ومن راعى الدلالة الشرعية قال: لا يحرِّم الزنا) [1] .
اختلف الفقهاءُ رحمهم الله في حكم إلحاقِ ولدِ الزنا بالزاني إذا ادعاه ولم يكن هناك فراشٌ على قولين:
(1) بداية المجتهد 3/ 62.