قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} (الأحزاب 4) .
والأدعياء جمع دَعيّ وهو: الولدُ يدعى لغير أبيه.
فالآيةُ صرحت بأن الدعي ليس ابنًا حقيقيًا ولا صُلبيًا، فالشرع لم يجعل مجرد التلفظ والدعوى سببا في ثبوت النسب.
وقوله تعالى: {ادْعُوهُمْ} .
أجمعَ أهلُ التفسير ـ رحمهم الله - أن الآية نزلت في زيد - رضي الله عنه - وفي إبطال تبنيه، قال القرطبي - رحمه الله: (أجمع أهل التفسير على أن هذا نزلَ في زيد بن حارثة، وروى الأئمةُ أن ابن عمر قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت {ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ} .. ) [1] .
ويقول الإمام ابن كثير - رحمه الله: (هذا أمرٌ ناسخٌ لما كان في ابتداء الإسلام, من جواز إدعاء الأبناء الأجانب وهم الأدعياء .. ) [2] .
ومن السنة كذلك, ورد في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حديث سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة رضي الله عنهما: (من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنةُ عليه حرام) (3) ، وشرطُ العلمِ ملحظٌ دقيق، لأن العقوبة المترتبة عظيمة, وقد يلحق الإنسان بغير أبيه عن جهل أو أنه لايعلم بحقيقةِ نسبهِ أصلًا! قال الإمامُ ابن دقيق العيد - رحمه الله - (وشرطَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - العلمَ؛ لأن الأنساب قد يتراخى فيها مدد الآباء والأجداد، ويتعذر العلم بحقيقتها, وقد يقع الاختلال في النسب في الباطن من جهة النساء ولا يشعر به، فشرط العلم لذلك) [3] .
لقد جاء الإسلامُ وبُعِثَ النبيُ - صلى الله عليه وسلم - والناسُ على إرث قديمٍ من إرث آبائهم وأجدادهم, وكانوا على درجةٍ عاليةٍ من الفخرِ والتمسك به, حتى إنه - أعني هذا
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 14/ 118.
(2) البخاري، كتاب المغازي، باب: غزوة الطائف رقم (4326) .
(3) الإحكام شرح عمدة الأحكام, كتاب الطلاق باب اللعان حديث 8 (4/ 59) .