فهو من أخطر وأبشع الوسائل المُفضية ِ إلى اختلاط الأنساب وضياعها، فجاء تحريُمه قطعيًا لا خلاف فيه ولا مراء, بقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} (الإسراء: 32) .
قال القرطبي - رحمه الله-: «قال العلماء: قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} (الإسراء: 32) . أبلغ من أن يقول ولا تزنوا, فإن معناه لا تدنوا من الزنا» [1] .
والزنا في الإسلام من كبائر الذنوب بعد الشرك والقتل, قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) } (الفرقان) .
وقد أجمع أهل الملل على تحريمه فلم يحل في ملة قط. ولم تكتف الشريعة بتحريمه بل حرمت أيضا مقدماته ومسهلاته والوسائل المؤدية إليه, كالخلوة بالمرأة الأجنبية, والنظر إليها, ومصافحتها, وحرمت سفرَ المرأةِ وحدها دون محرم لها, ومنعت الاختلاطَ والتبرجَ وغير ذلك. وقد وضعت الشريعةُ أيضا في سبيل التحذير من الوقوع فيه أشد الحدود, وأعظمها في إيقاع الألم العذاب بفاعله. فشرعت عقوبة الجلد مائة جلدة على ملأ من الناس إن كان مقترف هذا الإثم غير متزوج. قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (النور: 2) , بل وذهب كثيرٌ من الفقهاء إلى إضافة عقوبة التغريب وهي نفي المُجرِمُ عامًا كاملا بعد الجلد.
وفي انتشار الزنا وفي جرأة الناس عليه فسادٌ عظيم وهلاكٌ للقيم والأخلاق, واختلال في الأمن والنظام, وواقع الدول والمجتمعات التي يتفشى فيها الزنا أو
(1) الجامع لأحكام القرآن, (ج 10, ص 253) .