فيه حق لله, وحق للولد, وحق للأب, ويترتب عليه من أحكام الوصل بين العباد ما به قوام مصالحهم, فأثبته الشرع بأنواع الطرق التي لا يثبت بمثلها نتاج الحيوان) [1] .
فحقُ الله فيه من جهة أنه أمر بدعوة الولد إلى أبيه الحقيقي, فنهى الإسلام عن دعوة الولد لغير أبيه، وشدّدَ الوعيد في ذلك! ففي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام» [2] . وأما حقُ الولد: فإنه ثمرةُ أبيه, ونتاجُ زرعه, والله سبحانه جعل الولد خليفة أبيه, وشجنته والقائم مقامه, فكان من حقهِ أن يثبتَ نسبُه من أبيه لا من سواه, كما أن في انتسابه لأبيه حفظًا لحقوقه التي قررها الشارع له, وصيانة له من الضياع وعدم الرعاية.
يقول الآمدي - رحمه الله: (فلأنَّ حفظ النسب إنما كان مقصودا لأجل حفظ الولد حتى لا يبقى ضائعا لا مُربي له, فلم يكن مطلوبا لعينه وذاته بل لأجل بقاء النفس مرفهة منعمة حتى تأتي بوظائف التكاليف وأعباء العبادات) [3] .
وأما حق الأب: فإنَّ المولود له فكان حق نسب الولد إليه لا إلى غيره, وفيه رعاية لحقوقه التي أوجبها الله على ولده. وفيه حق للأم لأنها تُعير بولد لا أب له.
وبناء على أن النسب الثابت حق للأطراف الأربعة كان حقا «لا يقبل البيع, ولا الهبة, ولا الوصية, ولا تنازل عنه بأي وجه من الوجوه بمقابل أو بدونه» [4] . قال عليه الصلاة والسلام: «الولاء لحمة كلحمة النسب, لا يباع, ولا يوهب, ولا يورث» [5] .
لهذا كله أسست الشريعةُُ أحكامًا وأقرت حدودًا لرعاية هذا المقصد الضروري، وصيانته من جانبي الوجود والعدم, ومن ذلك:
(1) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص 331.
(2) صحيح مسلم كتاب الإيمان, حديث رقم 63.
(3) الإحكام في أصول الأحكام 4/ 288.
(4) بدائع الصنائع 4/ 173.
(5) أخرجه ابن حبان في البيوع، باب: بيع المنهي عنه، حديث رقم (4950) .