فهرس الكتاب
وتجدر الإشارة بأن هذا التعريف قد فاته ما تقرر لدى الغزالي وابن السبكي وغيرهما من أن الاستصحاب لابد فيه من العلم بعدم وجود ما يغير الحكم عما كان عليه، وهذا من ضروريات الكشف عن ماهية الاستصحاب لأنه ليس مجرد سحب حكم سابق وإعطائه للمحل في زمن حال -مطلقا- استصحابا، بل إذا لم يوجد ما يغيره يقينا أو ظنا وذلك بعد البحث والتحري واستفراع الوسع في الطلب للوقوف على ما يصلح للتغيير، فإن لم يوجد ذلك المغير فلا مانع من سحب ذلك الحكم في الزمن الحال.
وقد عرفه العلامة جمال الدين الاسنوي [1] :
بأنه:"عبارة عن الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول لعدم ما يصلح للتغيير" [2] ..
وهذا التعريف رغم اشتراطه عدم وجود ما يصلح للتغيير إلا أنه قريب مما ذكره أبو الحسين البصري حيث لم يشترط البحث والتحري في الطلب عن وجود ما يصلح للتغيير فلم يتعرض لتيقن الحكم بناء على تيقن عدم ما يغيره فضلا عن أنه لم تتعرض -كذلك- لظن بقاء الحكم بناء على ظن عدم ما يغيره [3] .
وقريب من هذا التعريف:
ما ذكره ابن القيم الجوزية [4] -في كتابه اعلام الموقعين- حيث عرف الاستصحاب بأنه"هو استدامة إثبات ما كان ثابتا أو نفي ما كان منفيا" [5] .
وهكذا نجد ابن القيم - رحمه الله تعالى- لم يذكر في التعريف ضرورة بذل الباحث جهده في البحث عما يكون قد غير الحكم من الأدلة رغم أننا نجد عبارته في التعريف شاملة لاستدامة الحكم نفيا أو إثباتا.
(1) هو: العلامة: عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن إبراهيم جمال الدين أبو محمد القرشي الشافعي المولود في بلدة إسنا سنة 701 هـ وله مصنفات عديدة من أشهرها"نهاية السول في شرح منهاج الوصول للبيضاوي"وتوفى رحمه الله بمصر سنة 772 هـ راجع: شذرات الذهب 6/ 223 والفتح المبين 2/ 193 والاعلام 4/ 119.
(2) راجع: شرح الاسنوي على المنهاج مع البدخشي 3/ 131
(3) راجع: الاستصحاب للأستاذ الدكتور/ سعيد مصلحي ص 10.
(4) هو: العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي أبو عبد الله شمس الدين من اعلام الإسلام واحد كبار العلماء ولد بدمشق وتوفى بها وله مصنفات عديدة منها اعلام الموقعين والطرق الحكمية في السياسة الشرعية وغيرها وتوفي رحمة الله سنة 751 هـ
راجع: الاعلام 6/ 56 والدور الكامنة 40013 والبداية والنهاية 14/ 234.
(5) راجع: اعلام الموقعين لابن القيم 1/ 329.