فهرس الكتاب
المعمول به عند الحنفية كما صرح به أصحابهم في كتبهم أنه لا يصلح حجة على الغير ولكن لإبداء العذر والدفع ولذلك قالوا: حياة المفقود تصلح حجة لإبقاء ملكه لا في إثبات الملك لا في مورثه" [1] ."
وهكذا: أوضح ابن القيم هذا بقوله:"ومعنى ذلك أن الاستصحاب يصلح لأن يدفع به من ادعى تغيير الحال لا لإبقاء الأمر على ما كان فإن بقاء ما كان إنما هو مستند إلى موجبه لا إلى عدم المغير فإذا لم نجد دليلا نافيا ولا مثبتا امسكنا لا نثبت الحكم ولا ننفيه بل ندفع بالاستصحاب دعوى من أثبته" [2] .
وبعد: فقد انحصرت الآراء في حجية الاستصحاب في ثلاثة مذاهب ما بين قائل بالحجية مطلقا وقائل بعدم الحجية مطلقا.
ومن توسط القول بين المذهبين مقررا أن الاستصحاب حجة في الدفع فقط دون الإثبات. وسنعرف فيما يلي أدلة كل مذهب والمناقشة الواردة بشأن كل منها والتحليل والتعقيب عليها حتى يمكننا -بعد ذلك- الترجيح لما نختاره في هذه المسألة.
المبحث الثاني
أدلة المذهب
المطلب الأول
أدلة المذهب الأول
استدل أصحاب المذهب الأول وهم القائلون بأن الاستصحاب حجة مطلقا -في الإثبات والنفي بأدلة كثيرة: من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول والاستقراء وذلك على النحو الآتي:
فمن الكتاب
استدلوا بقوله: -تعالى- (قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) [3] .
ففي هذه الآية الكريمة تقرير الاحتجاج بعدم الدليل على الحكم استصحابا له وذلك لأن
(1) راجع: الإبهاج شرح المنهاج 3/ 266.
(2) راجع: اعلام الموقعين 1/ 340 - 342.
(3) سورة: الأنعام الآية 145.