وهم القائلون بحجية استصحاب حكم الإجماع في محل الخلاف بقولهم أن تبدل حال المحل المجمع على حكمه أولا: كتبدل زمانه ومكانه وشخصه وتبدل هذه الأمور وتغيرها لا يمنع استصحاب ما يثبت له قبل البدل فكذلك تبدل وصفه وحاله لا يمنع الاستصحاب حتى يقوم دليل على أن الشارع جعل ذلك الوصف الحادث ناقلا للحكم مثبتا لضده كما جعل تخليل الخمر ناقلا للحكم بتحريمها.
وعلى هذا فلا يبقى التمسك بالاستصحاب صحيحا وأما مجرد النزاع فإنه لا يوجب سقوط حكم الإجماع والنزاع في رؤية المتيمم للماء في الصلاة لا يوجب رفع ما كان ثابتا من الطهارة المبيحة للصلاة فلا يقبل قول المعترض أنه قد زال حكم الاستصحاب بالنزاع الحادث فإن النزاع لا يرفع ما يثبت من الحكم للمعترض رفعه إلا أن يقيم الدليل على أن ذلك الوصف الحادث جعله الشارع دليلا على نقل الحكم، وحينئذ فيكون معارضا في الدليل لا قادحا في الاستصحاب [1] .
ولعل الراجح في هذا الخلاف:
هو ما ذهب إليه الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- ومن معه من أن استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع حجة وذلك لقوة ما استدل به ودفع ما استدل به غيره.
هذا: فضلا عن أن القول بحجية هذا النوع من الاستصحاب فيه التيسير على المكلفين خاصة وإنه يحقق التمسك بالبقاء على الأصل الذي لا يجب الانتقال عنه إلا بالدليل يصلح للنقل فمن ادعاه أتى به [2] .
ومما يؤكد هذا الرجحان:
ما قرره الشوكاني -في إرشاد الفحول- حيث قال:"والقول الثاني: يعني جعله حجة هو الراجح لأن المتمسك بالاستصحاب باق على الأصل قائم في مقام المنع فلا يجب عليه الانتقال عنه إلا بدليل يصلح لذلك فمن ادعاه جاء به" [3] .
المبحث الرابع
الاستصحاب المقلوب
وهو عبارة عن استصحاب الحال في الماضي، وذلك كما إذا وقع البحث في أن هذا المكيال -مثلا- هل كان على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيقول القائل نعم إذ
(1) راجع: اعلام الموقعين 1/ 343، 344 وجمع الجوامع وشرحه للمحلى 2/ 350.
(2) راجع: الأدلة المختلف ص 29 والاستصحاب د/ سعيد مصيلحي ص 68.
(3) راجع: إرشاد الفحول ص 238، 239 واعلام الموقعين 1/ 341 - 344.