وقد رأينا البعض لم يعتبر الاستصحاب المقلوب كالإمام الغزالي فلم يذكره ضمن صور الاستصحاب ولعل ذلك بسبب ضعفه وأن العمل به إنما يقع في جزئية أو جزئيات قليلة وربما كان لها من الأدلة ما يقدم على ذلك الاستصحاب المقلوب [1] .
المبحث الخامس
تحقيق الخلاف بشأن صور الاستصحاب
من الجدير بالبحث والتحقيق -بعد عرض صور الاستصحاب- أن نحرر محل النزاع في الاستصحاب، وهل جميع صوره محل خلاف بين العلماء؟ أم أن الخلاف قائم بينهم بشأن بعض هذه الصور دون البعض الآخر؟
وقد حصر العلامة ابن القيم الخلاف في نوعين فقط من الاستصحاب وهما: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع، واستصحاب العدم الأصلي المسمى بالبراءة الأصلية.
وقال عن هذا النوع: أنه المراد غالبا عند الإطلاق أي في حالة إطلاق الاستدلال بالاستصحاب.
وقال: أنه لا خلاف في وجوب العمل بالاستصحاب فيما دل العقل والشرع على ثبوته وكذلك لا خلاف في وجوب العمل باستصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه وإن تنازع الفقهاء في بعض أحكامه [2] .
في حين أنه قد ورد تحرير محل النزاع في هذا الشأن -في شرح جمع الجوامع على هذا النحو:"أنه لا خلاف في استصحاب العدم الأصلي -وهو نفي ما نفاه العقل ولم يثبته الشرع وإنما الخلاف في استصحاب ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه كثبوت الملك بالشراء."
وهكذا: نجد أن استصحاب العدم الأصلي أو استصحاب الحكم الأصلي للأشياء وهو ما يعبر عنه بعض العلماء باستصحاب البراءة الأصلية، كما سماه ابن القيم: استصحاب براءة العدم الأصلي: نجد أنه محل خلاف كذلك بين العلماء فقد جزم ابن السبكي -على نحو ما سبق- بحجيته فقال:"قال علماؤنا استصحاب العدم الأصلي وهو نفي ما نفاه العقل ولم يثبته الشرع كوجوب صوم رجب حجة جزما".
في حين أن العلامة ابن القيم خالف الجزم الذي ادعاه ابن السبكي فقال في اعلام الموقعين:"فقد تنازع الناس فيه فقالت طائفة من الفقهاء والمتكلمين أنه يصح للدفع لا"
(1) راجع: المستصفى 1/ 221، 222.
(2) راجع: اعلام الموقعين 1/ 341 - 344.