ثم في السنة ثم في الإجماع ثم في القياس فإن لم يجد فيأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات فإن كان التردد في زواله فالأصل بقاؤه، وإن كان التردد في ثبوته فالأصل عدمه" [1] ."
أي أن الاستصحاب لا يثبت حكما جديدا كغيره من الأدلة ولكنه يفيد استدامة الحكم السابق الثابت بدليله، وذلك بمعنى أنه ليس دليلا فقهيا ولا مصدرا للاستنباط على وجه الاستقلال ولكنه أعمال لدليل قائم وإقرارا لأحكام ثابتة لم يحصل تغيير فيها وإذا كان الأمر كذلك فهو لا يثبت حكما جديدا ولكن ما هنالك أنه يستمر به الحكم الثابت بدليل دل عليه بناء على وجود سببه ولهذا نرى العلماء يقولون أن الاستصحاب حجة لإبقاء ما كان على ما كان لا لإثبات ما لم يكن [2] .
ولهذا كان الاستصحاب آخر الأدلة التي يلجأ إليها المجتهد وذلك بحسب نظرته إلى تلك الأدلة الشرعية ومدى الأخذ ببعضها دون البعض الآخر.
فمن يقصر الأدلة على الكتاب والسنة والإجماع يعمل بالاستصحاب في كل ما لم يجد فيه نصا ولا إجماعا فتكون دائرة الاستصحاب لديه أوسع من الحال عند من يعمل بالقياس.
ومن يأخذ بالقياس لا يلجأ إلى الاستصحاب إلا إذا لم يجد قياسا ولهذا تضيق -عنده- دائرة الاستصحاب على عكس الفريق الأول [3] .
ومن الجدير بالذكر -هنا- أن العلامة ابن حزم الظاهري [4] من العلماء الذين يقصرون الأدلة على النص ولهذا فهو يمنع استصحاب الحكم الثابت بالإجماع والقياس.
وذلك على نحو ما سيتضح -لنا- عند الحديث عن صور وأشكال الاستصحاب وحكم كل منها. فقد ذكر -رحمه الله تعالى- في كتابه الأحكام في أصول الأحكام.
أنه:"إذا ورد النص من القرآن أو السنة الثابتة في أمر ما على حكم ما ثم أدعى مدع أن ذلك الحكم قد انتقل أو بطل من أجل أنه انتقل ذلك الشيء المحكوم فيه عن بعض أحواله"
(1) راجع: إرشاد الفحول ص 244.
(2) راجع: الأدلة المختلف فيها لأستاذنا الدكتور/ محمد السعيد عبد ربه ص 34.
(3) راجع: أصول الفقه د. مصطفى شلبي 1/ 338.
(4) هو: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري المولود سنة 384 هـ كان زاهدا في الملك وأنصرف إلى العلم والتأليف حتى صار عالم الأندلس في عصره واحد أئمة الإسلام وله تصانيف عديدة منها"الإجماع"و"الأحكام في أصول الأحكام"وتوفى رحمه الله سنة 456 هـ.
راجع: طبقات الأصوليين 1/ 255 والاعلام 2/ 654.