المذهب الأول:
ويرى أن استصحاب حكم الإجماع في محل الخلاف ليس بحجة، وإلى هذا ذهب الحنفية والحنابلة وجمهور المالكية والغزالي والشيرازي [1] وغيرهم [2] .
فقد أفرد الغزالي لهذا النوع من الاستصحاب مسألة برأسها فقال:
"مسألة: لا حجة في استصحاب الإجماع في محل الخلاف خلافا لبعض العلماء" [3] وهكذا فعل سيف الدين الآمدي فقال:"اختلفوا في جواز استصحاب حكم الإجماع في محل الخلاف فنفاه جماعة من الأصوليين كالغزالي وغيره وأثبته آخرون" [4] .
وأنصار هذا المذهب يقررون أنه لا يجوز الاستدلال بمجرد الاستصحاب بل أن اقتضى القياس أو غيره إلحاقه بما قبله ألحق به وإلا فلا، وذلك لأن انعقاد الإجماع هذا على صفة لا يستلزم الإجماع على صفة أو حال أخرى وانعقاد الإجماع هذا إنما كان على الصفة التي كانت قبل محل النزاع وهو صحة الصلاة -مثلا- قبل رؤية الماء في الصلاة فأما بعد الرؤية فلا إجماع فليس -هنا- استصحاب- كما قال ابن القيم وذلك لأن شرط الاستصحاب بقاء الحال على الصفة التي كانت وقت الحكم فإن هذه هي التي تعد مناطه فإذا تغيرت الصفة فقد زالت الحال أو تغير موجب الحكم فيكون الأمر خاضعا لحكم أخر [5] .
المذهب الثاني:
ويرى أن استصحاب حكم الإجماع في محل الخلاف حجة، وإلى هذا ذهب الإمام الشافعي وأبو ثور [6] وداود الظاهري [7] وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب [8] الشوكاني
(1) هو: أبو إسحاق الشيرازي إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله فقيه أصولي شافعي أديب مؤرخ ولد قرب شيراز سنة 393 هـ ونشأ بها ورحل إلى بغداد في طلب العلم ومن مصنفاته المهذب في الفقه واللمع والتبصرة في الأصول وتوفى رحمه الله سنة 476 هـ راجع: الفتح المبين 1/ 255 وفيات الأعيان 1/ 29.
(2) راجع: اعلام الموقعين 1/ 241 والمستصفى 1/ 228 واللمع للشيرازي ص 67 والأحكام للآمدي 4/ 185، 186 والتلويح 2/ 101 وروضة الناظر 1/ 292، 293 والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص 134.
(3) راجع: المستصفى 1/ 223، 224.
(4) راجع: الأحكام للآمدي 4/ 185، 186.
(5) راجع: المستصفى 1/ 224 والمعتمد 2/ 884.
(6) هو: إبراهيم بن خالد أبو اليمان الكعبي الفقيه البغدادي كان من أصحاب الرأي المولود سنة 246 هـ وقد تبع الإمام الشافعي بعد قدومه إلى العراق وله مصنفات تجمع بين الحديث والفقه وتوفى رحمه الله سنة 340 هـ. راجع: وفيات الأعيان 1/ 5.
(7) هو: أبو سليمان داود بن خلف فقيه أهل الظاهر المولود سنة 200 هـ وعاش في بغداد وانتهت إليه رياسة العلم فيها وكان شافعيا ثم زعيما لأهل الظاهر وله مصنفات عديدة منها"إبطال القياس"وتوفى سنة 270 هـ.
راجع: طبقات الشافعية 2/ 284 ووفيات الأعيان 2/ 26.
(8) هو: العلامة جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر المالكي بن الحاجب صاحب التصانيف المشهورة مثل: المنتهى والمختصر في أصول الفقه وغيرهما وتوفى رحمه الله سنة 446 هـ.
راجع: البداية والنهاية 13/ 176 ووفيات الأعيان 2/ 413.