الصحابي [1] .
غير أن البعض الآخر قد خالف هذا الصنيع كما هو منهج الإمام الرازي ومن تبعه كالإمام القرافي والبريزي وغيرهما: حيث جمع بين كافة الأدلة المختلف فيها وعرض لها جميعا -معا- وذلك من غير أن يقسمها إلى مقبولة ومردودة كما هو صنيع القاضي ناصر الدين البيضاوي ومن معه [2] .
ولعل ما صنعه الإمام الرازي أوضح مسلكا وأسلم منهجا وذلك لأن فرض المسألة أن هذه الأدلة مختلف فيها بين العلماء فمن يأخذ هذه الأدلة كالاستصحاب -مثلا- حيث فعل الشافعية يخالفه ويرده الآخرون كجمهور الحنفية -مثلا- فهو مقبول عند الشافعية في حين أنه مردود عند الحنفية وعلى العكس من ذلك بالنسبة للاستحسان الذي يعتبره الحنفية ويرده الشافعية.
فاعتبار القبول عند البعض غير مسلم عند الآخرين وهكذا بالنسبة لاعتبار الرد لأحد الأدلة المختلف فيها حيث يعتبر مقبولا عند البعض الآخر وهكذا مما يجعل أساس القبول والرد هو من وجهة نظر المجتهد بشأن تلك الأدلة المختلف فيها لا من حيث ذات هذه الأدلة، فما يترجح فيه جانب القبول عند بعض المجتهدين يعمل به ويترك ما يترجح بشأنه - لديه- جانب الرد وهكذا مما يؤكد أنها جملة أدلة مختلف فيها وتدرس على هذا الأساس وذلك على النحو ما صنع الإمام فخر الدين الرازي ومن معه.
هذا:
وقد استخرت الله سبحانه وتعالى في الكتابة في أحد هذه الأدلة المختلف فيها حيث كثر بشأنها الجدل وكانت مثارا لحديث الناس خاصة ممن يريدون الطعن على الشريعة الغراء.
وهذا الدليل الذي اخترته هو"استصحاب الحال"محاولة مني للوقوف على هويته وإظهار مدى تأثيره في الفروع الفقهية وذلك لما لهذا الدليل من أهمية عظمى في أثراء الفقه الإسلامي. فالاستصحاب يجعل الفقهاء في سعة ويخلصهم من مواقف الحيرة ويفتح لهم طرقا يصدرون بها الفتوى في يسر وينفذون منها إلى الفصل في القضايا في سرعة، فضلا عما فيه من الدلالة على سماحة الإسلام وأنه دين الفطرة الذي لا يشعر من تشرف بالانتساب إليه بحرج فيما شرع لهم من أحكام [3] .
(1) راجع: نهاية السول 4/ 352 - 431.
(2) راجع: شرح الاسنوي على المنهاج 3/ 138 والإبهاج شرح المنهاج 3/ 127 والمحصول للإمام الرازي ج 2 ص 131 وتنقيح المحصول للتبريزي لوحة 161.
(3) راجع: أصول الفقه للأستاذ الدكتور/ زكي الدين شعبان ص 205.