ولهذا:
كان في الاستصحاب الدلالة على سماحة الشريعة الإسلامية ومرونتها وأنها لم تقف بالناس عند نصوص محدودة لا يتجاوزونها.
كما أن أهمية الاستصحاب قد بلغت الذروة وذلك بسبب دخوله في كثير من مسائل الفقه وبناء قواعد كثيرة عليه، وبسبب هذا الأهمية قد توسع في الأخذ به خاصة من قل توسعه في الاستدلال بالرأي بخلاف من توسع في الرأي كالحنفية فإن استدلالهم بالاستصحاب قليل [1] . وإن كان المتأخرون من الحنفية يقولون بحجية الاستصحاب في الدفع -أي النفي- دون الإثبات- وذلك على نحو ما سيرد إن شاء الله.
ورغم أن الاستصحاب ليس دليا مستقلا مثبتا لحكم جديد بل هو كاشف عن بقاء الحكم السابق الثابت بدليله عندما يغلب على ظن المجتهد عدم وجود المغير له، رغم هذا: فإن عناية علماء الأصول بأفراده بالبحث لمعرفة مواضع اعتباره بالاتفاق ومواضع الخلاف فيه لشهادة جديدة على تفرد الفقه الإسلامي بمميزات قل إن توجد في غيره من القوانين الوضعية.
وقد كان لدراسة العلماء وبحثهم لأحكام الاستصحاب وإلقاء الضوء عليه وتمحيص مبادئه وكشف ملامحه أهمية عظمى وفوائد كثيرة وقد انعكس هذا في ضبط الفروع الفقهية ونظمها نظما يتفق مع عظمة الإسلام وروعة أحكام الشريعة وقد ظهر هذا في المبادئ التي أخذها الفقهاء من الاستصحاب ومن أشهرها:
-أن الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يغيره.
-أن الأصل في الإنسان براءة الذمة.
-أن اليقين لا يزول بالشك.
-إن كل شيء لم يقم الدليل المعين على حكمه فهو على الإباحة الأصلية.
وقد عمل فقهاء القوانين الوضعية بموجب أحكام الاستصحاب من غير أن يتعرضوا له بالبحث في قواعد فمثلا: لديهم مبدأ: أن المتهم برئ إلى أن تثبت إدانته عملا بأحكام قانون العقوبات: مبني على استصحاب البراءة الأصلية.
ولديهم كذلك مبدأ:
(1) وذلك بمعنى أنهم قد أخذوا بالاستصحاب في بعض الفروع الفقهية وذلك على نحو ما سيرد عند الحديث عن الفروع الفقهية التي أثر فيها الاستصحاب كل هذا رغم أنهم يردون الاستصحاب كدليل ومدرك من مدارك الأحكام الشرعية.