استدل أنصار المذهب الثاني وهم القائلون بأن الاستصحاب ليس بحجة مطلقا بأدلة متعددة منها:
1 -أن الاستصحاب يؤدي إلى التعارض في الأدلة وذلك لأن من استصحب حكما من صحة فعل أو سقوط فرض كان لخصمه أن يستصحب خلافه في مقابلته كما لو قيل: أن المتيمم إذا رأى الماء قبل صلاته وجب عليه الوضوء فكذلك إذا رآه بعد دخوله في الصلاة باستصحاب ذلك الوجوب فإن للخصم أن يعارض بأن الإجماع قد انعقد على صحة شروعه في الصلاة وانعقاد الإحرام وقد وقع الاشتباه في بقائه بعد رؤية الماء في الصلاة فيحكم ببقائه بطريق الاستصحاب وما أدى إلى هذا التعارض يكون باطلا [1] .
ونوقش هذا:
بأن حقيقة الأمر ليس فيها التعارض الذي زعمتموه وذلك لأن المتيمم إذا رأى الماء قبل الصلاة وجب عليه الوضوء لأن شرط التيمم عدم وجود الماء لقوله -تعالى-: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [2] .
هذا والمعروف أن الشرط إذا فقد المشروط وقد فقد الشرط بوجود الماء فبطل التيمم الذي هو المشروط وذلك لأن التيمم بدل عن الوضوء ولا يجمع بين البدل والمبدل منه.
ولهذا بقيت الجزئية الثانية في المسألة وهي إذا ما رأى المتيمم الماء في أثناء الصلاة: فهل يستصحب الحكم وهو وجوب الوضوء فيخرج من صلاته ليتوضأ؟ أو أنه يبني على ما سلف من الطهارة التي سوغت له الإحرام بالتيمم فيكون مستصحبا لحكم الطهارة؟
فيرى الإمام الشافعي:
-رحمه الله- جواز مضيه في صلاته وإتمامها فيقول -رضي الله عنه-:"وإذا تيمم فدخل في المكتوبة ثم رأى الماء لم يكن عليه أن يقطع الصلاة وكان له أن يتممها" [3] .
وذلك لأن الإجماع قد انعقد على صحة صلاته حالة الشروع والدليل الدال على صحة الشروع دال على دوامه إلا أن يقوم دليل الانقطاع [4] .
ويرى المزني من أصحابه:
(1) راجع: كشف الأسرار 3/ 379، 380.
(2) سورة المائدة: الآية 6.
(3) راجع: الأم 1/ 41.
(4) راجع: المهذب للشيرازي 1/ 37 نهاية المحتاج للرملي 1/ 287.