عليه، وصلح عن إنكاره وصلح عن سكوته من غير إقرار ولا إنكار وكل نوع من ذلك لا يخلو إما أن يكون بين المدعي والمدعي عليه وأما أن يكون بين المدعي والأجنبي المتوسط، فإن كان بين المدعي والمدعي عليه فكل واحد من الأنواع الثلاثة مشروع عند أصحابنا وقال ابن أبي ليلى: المشروع هو الصلح عن إقرار وسكوت لا غيرهما وقال الشافعي -رحمه الله: المشروع هو الصلح عن إقرار لا غير" [1] ."
ففي هذه المسألة مذهبان:
المذهب الأول:
ويرى أن الصلح على الإنكار جائز، وإلى هذا ذهب الجمهور"مالك وأبو حنيفة والإمام أحمد -رحمهم الله تعالى-" [2] .
فقد جاء في بداية المجتهد:"وأما الصلح على الإنكار فالمشهور فيه عن مالك وأصحابه أن يراعي فيه من الصحة ما يراعي في البيوع مثل أن يدعي إنسان على آخر دراهم فينكر ثم يصالحه فيها بدنانير مؤجلة فهذا يجوز عند مالك وأصحابه" [3] .
فالإمام مالك -رضي الله عنه- يذهب إلى أن الصلح جائز ولو كان في حالة الإنكار لأن الأدلة الدالة على الصلح عامة وليست بمخصصة لأنواع الصلح ولأن الصلح يحدث بعد دعوى صحيحة تمكن المدعي عليه من دفع هذه الدعوى فإذا لم يكن لديه ما يدفع به هذه الدعوى حينئذ يكون هناك دليل على صحة هذه الدعوى كالإقرار أو ما على ذلك من وسائل الإثبات وبهذا يكون الصلح صحيحا" [4] ."
وقد عرض ابن قدامه المقدس الحنبلي [5] هذا الخلاف: فقال:"الصلح على الإنكار صحيح وبه قال مالك وأبو حنيفة وقال الشافعي لا يصح لأنه عرض عما لم يثبت له فلم تصح المعارضة كما لو باع مال غيره ولأنه عقد على معارضة خلا من العوض في أحد"
(1) راجع: بدائع الصنائع للكاساني 6/ 40 طبعة دار الكتاب العربي. والأم 3/ 196.
(2) راجع: فتح القدير 7/ 24 والمغني لابن قدامه 4/ 357 وكشف الحقائق 2/ 128.
(3) راجع: بداية المجتهد 2/ 264 والإمام مالك للشيخ أبي زهرة ص 362.
(4) راجع: الأدلة المختلف فيها للأستاذ الدكتور/ عبد الحميد أبو المكارم ص 50.
(5) هو: عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامه بن مقدم بن نصر ابن عبد الله المقدسي الدمشقي الحنبلي الموفق ولد سنة 541 هـ كان حجة في المذهب الحنبلي وقد برع وأفتى وناظر وله في أصول الفقه روضة الناظر وجنة المناظر، والمقنع في الفقه وتوفى سنة 620 هـ
راجع: الفتح المبين 2/ 52.