الصفحة 5 من 24

والخلاصة: أن نفهم معنى تطبيق الشريعة، أن تتوسع أذهاننا وعقولنا لمعنى تطبيق الشريعة ولا ننخدع ببعض المظاهر ونظن بأنها هي تطبيق الشريعة ونغفل عن جوانب أخرى، فتطبيق الشريعة هو حفظ مقاصد الدين ويكون بالجانب القضائي، وواقعنا المعاصر أهمل الجانب الأصلي وركز على الجانب القضائي.

وقد استغل بعض الطواغيت ومن ينتسب إلى الإسلام هذا الأمر لكي يتلاعب على الناس، لذلك شيخ الإسلام نبّه على هذه القضية في المجموع فقال:"كثير من الناس حصر مسائل الشريعة بمسائل الفروع وهذا أدى إلى تضييق مفهوم رحمة الله والظن أن هذه الشريعة لا تكفي ولا تفي بالغرض"

والسؤال المهم: لماذا نحن مأمورون بتطبيق الشريعة؟

الأوامر واضحة وجلية في الكتاب والسنّة النبوية، والسبب في ذلك هو أن النفس الإنسانيّة وهذه المخلوقات البشرية التي خلقها الله وأنزلها على هذا الكوكب هي نفس معقدة جدًا، لذلك أقسم الله بها، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس:7] ، يقول أحد العلماء:"عرفت الله بانحلال العزائم"يعني هذه النفس تتعلق وتتأثر وتتقلب، لذلك لا يمكن أن يوكل إصلاح الناس إلى هذه النفس لأنها ظالمة جاهلة، قال الله تعالى: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:33] ، يقول شيخ الإسلام:"إن الأصل بالإنسان الظلم، والأصل في الإنسان الجهل"فالإنسان في داخله مفطورًا على الظلم والبغي، قال تعالى {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) } [الإنسان:19 - 22] وهذا هو الأصل في الإنسان، أما إذا قام بكبح هذه النفس وتهذيبها، فتصلح إلى النفس المطمئنّة، وإذا أطلق العنان لها فستتمرد، ويقول بعض العارفين:"في داخل كل إنسان فرعون صغير، فإذا ما أطلق له العنان، سيصبح فرعون"قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) } [العلق:6 - 7] في داخل كل إنسان طغيان، فكيف لهذه النفس من أن تضع قوانين للناس، فلا توكل مهمة إصلاح البشرية إلى هؤلاء البشر لأنهم سيوصلونهم إلى الإهلاك، قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41] فهذه المشاكل التي نعاني منها كلها بسبب هذا الإنسان فهذه النفس بهذه التعقيدات هي جهاز معقد، وهذا الجهاز لابد له من خبير يعلم بشؤونه {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14]

قال تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} قال أحد المفسرين:"من له الخلق غير الله؟، ومن له الأمر غير الله؟، فلا آمر ولا ناهي ولا حاكم إلا الله"

لذلك الحاكميّة التشريعيّة متمازجة مع الحاكمية القدرية والكونية، ومن أعظم الآيات التي تدل على ذلك في سورة الشورى، قوله تعالى {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12) شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) }

فالتحاكم إنما يكون إلى الله في كل أمر، يقول الشنقيطي:"وَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَاكُمُ إِلَى غَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ أَوْضَحَ تَعَالَى هَذَا الْمَفْهُومَ مُوَبِّخًا لِلْمُتَحَاكِمِينَ إِلَى غَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُبَيِّنًا أَنَّ الشَّيْطَانَ أَضَلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا عَنِ الْحَقِّ"

فتكون لله تعالى الحاكمية القدرية الكونيّة، فالتشريعيّة ليست لغيره سبحانه وتعالى لذلك، العدل هو تطبيق شريعة الله تعالى، وليس العدل فيما يراه الناس عدلا، والعدل هو وضع الشيء في موضعه، لذلك عندما نعرض عن شريعة الله فسيحل الظلم، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة:45] فالعدل أساس الحكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت