الصفحة 21 من 112

وسئل بعض العارفين: بِمَ عرفتَ ربّك؟ فأجاب: عرفتُ ربي بربي!

ويقول ابن عطاء الله السكندري في هذا المعنى:

"إلهي، كيف يُسْتَدَل عليك، بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المُظهر لك، متى غِبْتَ حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى بعدتَ حتى تكون الآثار هي التي تُوصِّل إليك"؟.

هذا ما نقصده بالفطرة: إن الإنسان - سواء أكان جاهلا أم عالما - لو جرّد نفسه من آثار الوارثات المختلفة، ومحا من ذهنه كل ما يربطه بالمكان الذي يعيش فيه، والمذهب الذي ينتمي إليه، ثم تفكر بعد ذلك في الكون وفي نفسه، لاندفع بفطرته وطبيعته اندفاعا اضطراريا، ليجد نفسه ساجدا خاشعا أمام ربه العلي العظيم، الرحمن الرحيم (1) .

(1) لعل هذه الفطرة العاقلة أو العقل الفطري، هي ما يطلق عليه الأستاذ العقاد:"الوعي"، وفي رأيه أن مسألة وجود الله"وعي"قبل كل شيء: فالإنسان له"وعي"يقيني بوجوده الخاص، وحقيقته الذاتية، ولا يخلو من"وعي"يقيني بالوجود الأعظم والحقيقة الكونية، لأنه متصل بهذا الوجود بل قائم عليه، والوعي والعقل لا يتناقضان، وإن كان الوعي أعم من العقل في إدراكه، لأنه مستمد من كيان الإنسان كله أو من ظاهره وباطنه، وما يعيه وما لا يعيه، ولكنه يقوم به قياما مجملا محتاجا إلى التفصيل والتفسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت