وعلى هذا فظاهر الآية هذه ومثيلتها: {حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] بينما يعارض ظاهر الحديث الذي يحض على اليسر بل وأنه خير الدين وأفضله، فكيف ذلك والآية: جهاد وشدة بما يوجب الحرج والضيق، والحديث: يسر وسهولة وبساطة بما يوجب رفع الحرج؟ -
"الدراسة:"
أولًا: معنى الآية:
إن التعارض القائم بين ظاهر الآية وظاهر الحديث ما قام إلا بسبب الاختلاف في تأويل الآية، وخاصة لفظة: {حَقَّ جِهَادِهِ} ؛ لذا كان من الضروري أن نُمعن النظر في الآية، قال الطبري - رحمه الله- في تفسيره:"اختلف أهل التأويل في قوله: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} ثم ذكر ثلاثة أقوال:"
1 -قالوا: وجاهدوا المشركين في سبيل الله حق الجهاد -
وممن قال ذلك: ابن عباس فقال: أي: كما جاهدتم أول مرة، فقال عمر: من أمر بالجهاد؟
قال: قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس، فقال عمر: صدقت -
2 -من قال: لا تخافوا في الله لومة لائم، قالوا: وذلك هو حق الجهاد -
وممن قال ذلك: ابن عباس أيضًا فقال: لا تخافوا في الله لومة لائم -
3 -من قال: إن معنى ذلك: اعملوا بالحق، حق عمله -
وقال الطبري: هذا قول ذكره عن الضحاك بعض من في روايته نظر - اهـ -
وهذا الاختلاف ذكره غير الطبري كثير، منهم: الماوردي، والبغوي وابن عطية، وابن الجوزي، والقرطبي -
وبعد عرض الطبري لهذا الاختلاف قال:"والصواب من القول في ذلك: قول من قال:"
عنى به الجهاد في سبيل الله؛ لأن المعروف من الجهاد ذلك، وهو الأغلب على قول القائل: جاهدت في الله، وحقُّ الجهاد هو استفراغ الطاقة فيه"-"