فهرس الكتاب

الصفحة 405 من 574

واعلم أن شواهد الفطرة قد تكون واضحة بينة وقد تكون خفية، كما يقتضيه كلام الشيخ ابن سينا، فإذا خفيت المعاني الفطرية أو التبست بغيرها فالمضطلعون بتمييزها وكشفها هم العُلماء الحُكماء الذين تمّرسوا بحقائق الأشياء والتفريق بين متشابهاتها وسبروا أحوال البشر، وتعرضت أفهامهم زمانًا لتصاريف الشريعة، وتوسموا مراميها وغاياتها، وعصموا أنفسهم بوازع الحق عن أن يميلوا مع الأهواء -

إن المجتمع الإنساني قد مُني عصورًا طويلة بأوهام وعوائد ومألوفات أدخلها عليه أهل التضليل، فاختلطت عنده بالعلوم الحق فتقاول الناس عليها وارتاضوا على قبولها فالتصقت بعقولهم التصاق العنكبوت ببيته، فتلك يخاف منها أن تتلقى بالتسليم على مرور العصور، فيعسر إقلاعهم عنها وإدراكهم ما فيها من تحريف عن الحق، فليس لتمييزها إلا أهل الرسوخ، أصحاب العلوم الصحيحة الذين ضربوا في الوصول إلى الحقائق كلّ سبيل واستوضحوا خطيرها وسليمها فكانوا للسابلة خير دليل -

وكون الإسلام هو الفطرة، وملازمة أحكامه لمقتضيات الفطرة صفة اختص بها الإسلام من بين سائر الأديان في تفاريعه، أما أصوله فاشتركت فيها الأديان الإلهية، وهذا ما أفاده قوله: { ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } فالإسلام عام خالد مناسب لجميع العصور وصالح لجميع الأمم، ولا يستتب ذلك إلا إذا بنيت أحكامه على أصول الفطرة الإنسانية ليكون صالحًا للناس كافة وللعصور عامة، وقد اقتضى وصف الفطرة أن يكون الإسلام سمحًا يُسْرًا؛ لأن السماحة واليسر مبتغى الفطرة -

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت