عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 261
والجارّ والمجرور في موضع الحال مكانا قصيا بعيدا من أهلها وراء الجبل، وقيل: أقصى الدار
فأجاءها المخاض فألجأها المخاض وهو في الأصل منقول من جاء وظرف مستقر وقع حالا أي مصاحبة وحاملة له كما في الباء الواقعة في البيت المذكور وهو من قصيدة للمتنبي وقبله:
كأنّ خيولنا كانت قديما ... تسقي في قحوفهم الحليبا ...
فمرّت غير نافرة عليهم ... تدوس بنا الجماجم والتريبا ...
والقحوف جمع قحف وهو العظم الذي فوق الدماغ، والمراد بالجماجم الرؤوس، والتريب عظم الصدر يقول: كأنّ خيولنا كانت قديما تسقى في قحوف الأعداء اللبن وكانت عادتهم سقيه لكرام خيلهم يعني أنها لاعتيادها لذلك لم تنفر من القتلى وداست رؤوسهم وصدورهم ونحن على ظهورها والدوس الوطء بالرجل ولم يجعلها للتعدية هنا وإن صح لأنّ قوله: فأجأها المخاض يقتضي أنها منتبذة بنفسها لا نابذة له. قوله: (وهو في الأصل منقول من جاء الخ) تبع فيه الزمخشريّ حيث قال: أجاء منقول من جاء إلا أنّ استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء ألا ترى أنك تقول جئت المكان وأجاءنيه زيد كما تقول: بلغته وأبلغنيه، ونظيره آتى حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم تقل أتيت المكان وآتانيه فلان. اه. وقد ردّه في البحر، وقال: إنّ قوله أنّ الاستعمال غيره لم يقله أهل اللغة والإجاءة تشمل المجيء بالاختيار وبالقسر والإلجاء، وقوله: ألا ترى الخ يردّه أنّ من يرى التعدية بالهمزة قياسية لا يسلمه ومن رآها سماعية قال: إنّ ما أنكره مسموع من العرب كما في الصحاح وتنظيره بأتى غير صحيح فإنه بناء على أنّ همزته للتعدية وأصله أتى وليس كذلك بل هو مما بنى على أفعل وليس منقولا من أتى بمعنى جاء المتعدّي لواحد، ولو كان كذلك لكان مفعوله مفعولا ثانيا وفاعله مفعولا أوّل على قاعدتهم في مثله وعلى ما ذكره يكون بالعكس إلى آخر ما ذكره وأطال فيه (قلت) ما ذكره غير وارد على الشيخين أمّا قوله: إنه لم يقله أهل اللغة فغير صحيح لأنه قال في مختصر العين وتاج المصادر أجأت الرجل إلى كذا ألجأته إليه ونقله الجوهريّ عن الفراء فالحق ما قاله السفاقسي: إنّ الإجاءة مما نقل بالهمزة إلى الإلجاء كما نقل الإيتاء إلى الإعطاء وإن احتمل أن يكون مما بني على أفعل لكن الأوّل يرجحه أنّ الأصل اتحاد المادّة والثاني يرجحه أنّ اختلاف المعنى دليل على اختلافهما، وما ذكره في التعدية إنما يرد على عدم النقل وأمّا عليه فلا لكنه يرد عليه كما في شروح الكشاف وتبعهم الفاضل المحشي أنه يقال: أجأته إذا جئت به كما يقال: بمعنى ألجأته كما في الصحاح وغيره، ويقال: أتاه بمعنى أتى به كما يقال: بمعنى أعطاه ومنه قوله تعالى: آتنا غداءنا [سورة الكهف، الآية: 63] أي ائتنا به كما مرّ فكيف ينكر أيضا ما اعترف به أوّلا، وأمّا كون أجاء لا يتعدّى بإلى كما ذكره السفاقسي فغير صحيح، وقال الراغب: يقال جاءه بكذا وأجاءه قال تعالى: فأجاءها المخاض [سورة مريم، الآية: 22] وقيل معناه ألجأها، وإنما هو معدّى عن جاء اه. والظاهر عدم وروده أيضا لأنهما