عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 275
وآياته وكتبه ورسله نبيا استنبأه اللّه
إذ قال بدل من إبراهيم وما بينهما اعتراض أو متعلق بكان أو بصدّيقا نبيا لأبيه يا أبت التاء معوّضة من ياء الإضافة ولذلك لا يقال يا أبتي ويقال: يابتا وإنما يذكر للاستعطاف، ولذلك كرّرها لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر فيعرف حالك ويسمع ذكرك ويرى خضوعك ولا يغنى عنك شيئا في جلب نفع ودفع ضرّ دعاه والسّلام، وفي الكشاف الصديق من أبنية المبالغة ونظيره الضحيك والنطيق، والمراد فرط صدقه وكثرة ما صدّق به من غيوب اللّه وآياته وكتبه ورسله وكان الرجحان والغلبة في هذا التصديق للكتب والرسل أي كان مصدّقا بجميع الأنبياء وكتبهم وكان نبيا في نفسه، كقوله تعالى: بل جاء بالحق وصدق المرسلين [سورة الصافات، الآية: 37] أو كان بليغا في الصدق لأنّ ملاك أمر النبوّة الصدق ومصدّق اللّه بآياته ومعجزاته حريّ أن يكون كذلك، وفي الكشف المبالغة فيه تشمل المبالغة كما وكيفا فحمله أوّلا على الأوّل بقوله: والمراد فرط صدقه وكثرة ما صدّق به والعطف تفسيريّ لأنّ من صدّق كثيرا يكون كثير الصدق في تصديقه، وثانيا على الثاني بقوله:
أو كان بليغا في الصدق ولك أن تجعله جامعا للقسمين لكونه في مقام المدح والمبالغة وقد ألمّ به الراغب والأوّل أعني كونه صدّيقا تمهيد للثاني وإثبات له بدليله وترق ولا تكميل على الأوّل ولا تتميم على الثاني لا سيما وقد قدّر ذلك، في صديقا وهو تقدّم وأمّا جعله في الأوّل راجعا إلى المفعول كما في قطعت الحبال على ما في بعض الحواشي فمن الإغلاط. قوله: (أو كثير) في نسخة وكثير التصديق بالواو بدل أو وفي أخرى كثير التصديق بدون عاطف والأولى ظاهرة لظهور مقابلها باعتبارين لأنّ الأوّل من الثلاثي والثاني من المزيد، والأوّل مبالغة في الكيفية والآخر في الكمية وقد عرفت أنّ صاحب الكشف لم يرتض التكثير باعتبار المفعول، وأما الثانية فوجهها أيضا ما مرّ من أنه يجوز قصد المبالغة في الكمّ والكيف معا بمقتضى مقام المدح لا لأنه يكون مأخوذا من الثلاثي والمزيد معا لعدم صحته بل لأنّ أحدهما مدلوله والآخر لازمه لأنّ من كثر تصديقه كان كثير الصدق في تصديقه ويكون العطف تفسيريا، وذكر الأول تمهيدا للثاني، كما مرّ أيضا والثالثة مثلها في المعنى وأما كون الواو بمعنى أو فخلاف الظاهر وخص ما ذكر بقوله: من غيوب اللّه الخ لأنه التصديق المعتبر الذي يمدح به الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام فهو الحريّ بالذكر والمصرّح به في تلك الآية، وقوله: بدل أي بدل اشتمال كما مرّ.
قوله: (وما بينهما اعتراض) أي جملة أنه كان وقول صاحب الفرائد أنّ الاعتراض بين المبدل منه، والبدل بدون الواو بعيد عن الطبع لا وجه له وليس الردّ والقبول بالتشهي، وقوله: أو بصدّيقا نبيا ظاهره أنه معمول لهما معا وتوارد عاملين على معمول واحد غير جائز عند النحاة، وقوله: في الكشاف أي كان جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات كأنه لجعلهما بتأويل اسم واحد كتأويل حلو حامض بمن ليسلم مما ذكر أو ليكون العامل معناهما ولا يخلو من الكدر، ولو أراد أنه معمول لصديقا لم يكن لذكر نبيا وجه مع أنّ الوصف يمنع من العمل عند البصريين، وكذا لو تعلق بنبيا مع أنه يقتضي أنه نبيّ في وقت هذه